مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

حسابات الصين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

نشر
الأمصار

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية بعد الضربات العسكرية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران في 28 فبراير 2026، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار القيادات العسكرية والسياسية. وردّت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة وأهدافًا داخل إسرائيل، ما أدى إلى تصعيد عسكري كبير يثير مخاوف من اندلاع حرب إقليمية طويلة الأمد قد تمتد تداعياتها إلى النظام الدولي بأكمله.

في خضم هذا التصعيد، برز موقف الصين باعتباره أحد أكثر المواقف الدولية حذرًا وتوازنًا. فقد اكتفت بكين بإدانة الضربات العسكرية والدعوة إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية، دون أن تقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لإيران أو تنخرط في المواجهة الدائرة. هذا الموقف أثار تساؤلات حول طبيعة الحسابات الصينية في هذه الحرب، خاصة أن بكين ترتبط بعلاقات اقتصادية وطاقة مهمة مع إيران، وفي الوقت نفسه تحاول تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

في هذا السياق، يمكن فهم الموقف الصيني من خلال مجموعة من الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية التي تسعى بكين من خلالها إلى حماية مصالحها دون التورط في صراع عسكري واسع.

الحذر الدبلوماسي وتجنب المواجهة
منذ اندلاع الحرب، تبنت الصين موقفًا دبلوماسيًا حذرًا يقوم على الدعوة إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات السياسية. فقد شددت بكين على ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، معتبرة أن الضربات العسكرية تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتهدد الاستقرار الدولي.

هذا الموقف يعكس التزام الصين بسياسة تقليدية تقوم على عدم التدخل المباشر في النزاعات العسكرية خارج نطاقها الجغرافي المباشر. فبكين تدرك أن الانخراط العسكري في صراع معقد مثل الصراع في الشرق الأوسط قد يجرها إلى مواجهة مع قوى كبرى أو يفرض عليها التزامات أمنية طويلة الأمد، وهو ما يتعارض مع استراتيجيتها العالمية التي تركز أساسًا على النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي.

كما أن الصين تسعى إلى الحفاظ على صورتها كقوة دولية داعمة للحلول السياسية والتسويات الدبلوماسية، خاصة بعد أدوار سابقة لعبتها في التوسط بين بعض دول المنطقة.

الحفاظ على التوازن مع الولايات المتحدة
تدرك القيادة الصينية أن الانحياز الكامل إلى إيران قد يؤدي إلى تصعيد خطير في علاقاتها مع الولايات المتحدة. فالعلاقات بين القوتين تشهد بالفعل حالة من التنافس الاستراتيجي في مجالات متعددة مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي.

ورغم هذا التنافس، فإن الاقتصادين الصيني والأمريكي لا يزالان مرتبطين بدرجة كبيرة من التشابك التجاري والمالي، ما يجعل أي مواجهة مباشرة بينهما مكلفة للغاية للطرفين. لذلك تحرص بكين على إبقاء موقفها في إطار الانتقاد الدبلوماسي دون الوصول إلى مستوى التصعيد السياسي أو العسكري مع واشنطن.

ويزداد هذا الحذر في ظل وجود محاولات لإدارة الخلافات بين البلدين خلال الفترة المقبلة، حيث تسعى الصين إلى تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تفاقم التوتر في توقيت حساس بالنسبة للعلاقات الثنائية.

محدودية النفوذ العسكري الصيني في الشرق الأوسط
تكشف الأزمة الحالية أيضًا عن حدود القدرة العسكرية الصينية في الشرق الأوسط مقارنة بالولايات المتحدة. فواشنطن تمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية في المنطقة، إضافة إلى شراكات استراتيجية قوية مع عدد من الدول الإقليمية.

في المقابل، يظل الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط محدودًا للغاية، ويقتصر بشكل أساسي على بعض الأنشطة البحرية وقاعدة عسكرية في جيبوتي. لذلك تعتمد بكين في سياستها الإقليمية على أدوات النفوذ الاقتصادي والتجاري بدلًا من القوة العسكرية.

هذا الواقع يدفع الصين إلى تجنب الانخراط في الصراع الحالي، لأنها تدرك أن قدرتها على التأثير العسكري المباشر محدودة مقارنة بالقوة الأمريكية، وهو ما يجعل الخيار الدبلوماسي أكثر ملاءمة لمصالحها.

الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب
من بين الحسابات المهمة التي تحكم الموقف الصيني أيضًا الحرص على الحفاظ على قدر من المرونة في التعامل مع أي تغيرات سياسية محتملة داخل إيران. فالحرب قد تؤدي إلى تحولات كبيرة في بنية النظام السياسي الإيراني أو في موازين القوى الداخلية.

لذلك تتجنب الصين الانحياز الكامل إلى طرف سياسي معين داخل إيران، حتى لا تجد نفسها مرتبطة بمصير نظام قد يتعرض لتغييرات جذرية. وبدلًا من ذلك، تتبع بكين سياسة تقوم على الانتظار والترقب مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية القائمة.

هذه الاستراتيجية تمنح الصين قدرة أكبر على التكيف مع أي سلطة جديدة قد تظهر في طهران مستقبلاً، بما يضمن استمرار مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في البلاد.

أهمية النفط الإيراني للاقتصاد الصيني
تلعب الاعتبارات الاقتصادية دورًا محوريًا في صياغة الموقف الصيني من الحرب. فالصين تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، حيث تستحوذ على النسبة الأكبر من صادرات إيران النفطية.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت إيران مصدرًا مهمًا للطاقة بالنسبة لبكين، خاصة أن النفط الإيراني يُباع غالبًا بأسعار مخفضة نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على طهران. هذا الأمر يمنح الاقتصاد الصيني ميزة إضافية في الحصول على إمدادات طاقة منخفضة التكلفة.

ومع ذلك، فإن الصين عملت خلال السنوات الماضية على تنويع مصادر الطاقة لديها، وهو ما يقلل من درجة اعتمادها الكامل على النفط الإيراني، ويمنحها هامشًا أكبر من المرونة في التعامل مع أي اضطرابات محتملة في الإمدادات.

مخاوف أمن الطاقة ومضيق هرمز
يمثل أمن الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم الهواجس بالنسبة للصين في ظل التصعيد العسكري الحالي. فجزء كبير من واردات الطاقة الصينية يمر عبر هذا الممر البحري الحيوي الذي يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية.

وأي إغلاق للمضيق أو اضطراب في حركة الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا ويؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

ورغم ذلك، تمتلك الصين احتياطيات نفطية استراتيجية كبيرة تمكنها من مواجهة أي اضطرابات قصيرة الأمد في الإمدادات. كما تحتفظ بكميات إضافية من النفط المخزن في موانئ ومستودعات مختلفة داخل آسيا، ما يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات المؤقتة في سوق الطاقة.

الاستثمارات الصينية ومبادرة الحزام والطريق
ترتبط الصين بإيران أيضًا بعلاقات اقتصادية واستثمارية واسعة، من أبرزها اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة 25 عامًا الذي تم توقيعه عام 2021. ويشمل هذا الاتفاق التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والصناعة.

كما تمثل إيران حلقة مهمة في مبادرة الحزام والطريق التي تسعى الصين من خلالها إلى بناء شبكة من الممرات التجارية والاقتصادية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. ويجعل الموقع الجغرافي لإيران منها نقطة عبور مهمة في هذه المبادرة.

وبالتالي فإن استمرار الاستقرار في إيران يمثل عاملًا مهمًا لحماية الاستثمارات الصينية وضمان استمرار المشاريع المرتبطة بالمبادرة.

توازن المصالح مع دول الخليج
في المقابل، تدرك الصين أن علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج العربي تفوق بكثير حجم علاقاتها مع إيران. فدول الخليج تعد من أهم موردي الطاقة إلى الصين، كما تمثل شركاء اقتصاديين واستثماريين رئيسيين لبكين.

ولهذا السبب تحرص الصين على تبني موقف متوازن في الصراع الحالي، بحيث لا يؤدي دعمها لإيران إلى الإضرار بعلاقاتها مع الدول الخليجية. هذا التوازن يعكس سياسة صينية أوسع تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المنطقة دون الانحياز إلى محور معين.


في ضوء ما سبق، يمكن القول إن موقف الصين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يعكس نهجًا براغماتيًا قائمًا على الحذر والتوازن. فبكين تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والطاقوية في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو التورط في صراعات عسكرية معقدة.

وبالتالي، فإن الدور الصيني في هذه الأزمة يظل محصورًا في المجالين الاقتصادي والدبلوماسي، مع استعداد واضح للتكيف مع أي تغييرات قد تطرأ على موازين القوى الإقليمية أو على مستقبل النظام السياسي في إيران خلال المرحلة المقبلة.