ما الموقف الأوروبي من التصعيد الإيراني الإسرائيلي؟
يشكل التصعيد العسكري المتجدد بين إيران وإسرائيل أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام صناع القرار في أوروبا خلال المرحلة الراهنة، إذ تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية تجمع بين الحفاظ على أمن حليف استراتيجي مهم هو إسرائيل، وبين تجنب اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد المصالح الأوروبية المباشرة في مجالات الطاقة والتجارة والأمن والاستقرار الداخلي.

ومع تبادل الضربات العسكرية بين طهران وتل أبيب، عاد الجدل مجددًا حول طبيعة الموقف الأوروبي وحدود تأثيره في مسار الأزمة، خاصة في ظل تعدد المصالح الأوروبية وتشابكها مع الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، تسعى أوروبا إلى تبني سياسة متوازنة تقوم على احتواء التصعيد ومنع توسعه، دون التخلي عن ضغوطها المستمرة على إيران بشأن برنامجها النووي وأنشطتها العسكرية الإقليمية.
أسس الموقف الأوروبي تجاه الأزمة
يرتكز الموقف الأوروبي الحالي على مجموعة من المبادئ التي تحكم تعامل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء مع المواجهة الإيرانية الإسرائيلية. وفي مقدمة هذه المبادئ يأتي رفض التصعيد العسكري بوصفه تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي والدولي.
فقد سارعت العديد من الحكومات الأوروبية إلى إصدار بيانات تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع. وترى أوروبا أن استمرار العمليات العسكرية المتبادلة قد يؤدي إلى انهيار الجهود الدبلوماسية السابقة التي نجحت في احتواء الأزمات المتكررة بين الطرفين خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت نفسه، لا تخفي أوروبا قلقها من السياسات الإيرانية، خاصة فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية، والأنشطة العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الاتهامات المتعلقة بتهديد أمن الملاحة الدولية في منطقة الخليج العربي. ولهذا السبب واصل الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على شخصيات ومؤسسات إيرانية مرتبطة بهذه الملفات.
أما الركيزة الثالثة للموقف الأوروبي فتتمثل في التمسك بالحلول الدبلوماسية ورفض الانخراط المباشر في أي حرب واسعة ضد إيران. وتدرك الحكومات الأوروبية أن أي مشاركة عسكرية مباشرة قد تؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل القارة الأوروبية نفسها.
غياب الإجماع الأوروبي الكامل
على الرغم من وجود خطوط عامة تحكم الموقف الأوروبي، فإن دول الاتحاد لا تتبنى رؤية موحدة بشكل كامل تجاه الأزمة. فهناك تباينات واضحة تعكس اختلاف الأولويات السياسية والأمنية بين العواصم الأوروبية.
ويبرز في هذا السياق تيار أوروبي يتبنى مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران، تقوده ألمانيا وعدد من دول شرق أوروبا. ويعتبر هذا التيار أن البرنامج النووي الإيراني والتطور المستمر في القدرات الصاروخية الإيرانية يمثلان تهديدًا متزايدًا للأمن الأوروبي، الأمر الذي يستدعي مواصلة الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران.
في المقابل، يظهر تيار آخر أكثر حذرًا تجاه التصعيد العسكري، وتتبناه دول مثل إسبانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى التي ترى أن الحل العسكري لن يحقق الاستقرار المطلوب، بل قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وبين هذين الاتجاهين، تقف مجموعة من الدول الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا، في موقع وسطي يحاول التوفيق بين الضغط على إيران من جهة، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة من جهة أخرى. ويُنظر إلى هذا التيار على أنه الأكثر تأثيرًا في صياغة السياسات الأوروبية العامة خلال المرحلة الحالية.
أمن الطاقة في صدارة الأولويات
يعد ملف الطاقة أحد أهم العوامل التي تحدد طبيعة الموقف الأوروبي من التصعيد الإيراني الإسرائيلي. فالقارة الأوروبية ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات النفط والغاز القادمة من مناطق تمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

وتخشى الحكومات الأوروبية من أن يؤدي أي تصعيد عسكري واسع إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. كما أن أي اضطرابات في الإمدادات قد تتسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز بصورة كبيرة، وهو ما سينعكس سلبًا على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بمعدلات التضخم وتكاليف الطاقة.
ومن هذا المنطلق، تنظر أوروبا إلى استقرار الخليج باعتباره مسألة أمن اقتصادي لا تقل أهمية عن الملفات السياسية والعسكرية الأخرى المرتبطة بالأزمة.
الملاحة الدولية وممرات التجارة
إلى جانب ملف الطاقة، تمثل حرية الملاحة الدولية أحد أهم مصادر القلق الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على خطوط التجارة البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر والخليج العربي، وأي اضطراب في هذه الممرات ينعكس مباشرة على حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا السبب كثفت الدول الأوروبية خلال الفترة الأخيرة من حديثها عن أهمية حماية الممرات البحرية الدولية وضمان حرية العبور للسفن التجارية. كما أبدت بعض الحكومات استعدادها لتعزيز التعاون الأمني والبحري بهدف الحد من المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن اتساع نطاق المواجهة العسكرية.
هواجس الهجرة والأمن الداخلي
لا تقتصر المخاوف الأوروبية على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد أيضًا إلى قضايا الأمن الداخلي والهجرة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الأزمات والحروب في الشرق الأوسط غالبًا ما تؤدي إلى موجات نزوح كبيرة باتجاه أوروبا.
وتخشى الحكومات الأوروبية من أن يؤدي اتساع الصراع إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في عدد من دول المنطقة، بما يفتح الباب أمام موجات جديدة من الهجرة غير النظامية. كما تثير الحرب مخاوف إضافية تتعلق بزيادة التوترات الأمنية واحتمالات تنامي نشاط الجماعات المتطرفة أو وقوع هجمات إرهابية مرتبطة بتداعيات الصراع.
وتدفع هذه الاعتبارات أوروبا إلى التركيز على احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى نزاع إقليمي واسع النطاق.
هل تستطيع أوروبا لعب دور الوسيط؟
يطرح التصعيد الحالي تساؤلات عديدة حول قدرة أوروبا على لعب دور الوسيط بين إيران وإسرائيل. وتمتلك العواصم الأوروبية بالفعل بعض المقومات التي تؤهلها للقيام بهذا الدور، من بينها استمرار العلاقات الدبلوماسية مع إيران، ووجود شراكات استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، فضلًا عن حضورها المؤثر داخل المؤسسات الدولية.
كما أن لدى أوروبا مصلحة مباشرة في تجنب اندلاع حرب شاملة، الأمر الذي يمنحها دافعًا قويًا للانخراط في جهود الوساطة والتهدئة.
لكن في المقابل، تواجه أوروبا مجموعة من العقبات التي تحد من قدرتها على التأثير. ويأتي في مقدمة هذه العقبات تراجع النفوذ الأوروبي مقارنة بالدور الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع إيران. كما تنظر طهران أحيانًا إلى بعض المواقف الأوروبية باعتبارها منحازة إلى السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يضعف فرص نجاح أي جهود وساطة أوروبية مستقلة.
السيناريوهات المحتملة للموقف الأوروبي
إذا استمرت حالة التصعيد الحالية دون تحولها إلى حرب شاملة، فمن المرجح أن تواصل أوروبا اتباع سياسة تقوم على الجمع بين الضغوط والعقوبات من جهة، والتحركات الدبلوماسية من جهة أخرى.
وقد يشمل ذلك فرض عقوبات إضافية على شخصيات ومؤسسات إيرانية، وتعزيز الإجراءات الأمنية الخاصة بحماية الملاحة الدولية، إلى جانب تكثيف الاتصالات السياسية الرامية إلى إعادة الأطراف إلى مسار التهدئة.
أما إذا توسعت دائرة الحرب لتشمل جبهات جديدة في لبنان أو البحر الأحمر أو منطقة الخليج، فقد تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا، وربما زيادة مساهمتها في الترتيبات الأمنية الدولية الرامية إلى حماية المصالح الغربية في المنطقة.
في المجمل، يمكن القول إن أوروبا تحاول الحفاظ على موقع متوازن وسط أزمة شديدة التعقيد. فهي تنظر إلى إيران باعتبارها مصدرًا رئيسيًا لعدد من التحديات الأمنية والإقليمية، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحرب الشاملة ليست في مصلحة أي طرف، وأن تداعياتها قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الداخلي الأوروبي.
ومن ثم، فإن جوهر السياسة الأوروبية الحالية يتمثل في السعي لمنع انزلاق المواجهة الإيرانية الإسرائيلية إلى صراع إقليمي واسع، مع مواصلة الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تهدف إلى احتواء الأزمة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وبين هذين الهدفين ستواصل أوروبا خلال الفترة المقبلة البحث عن صيغة توازن دقيقة تحمي مصالحها وتجنب المنطقة مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار.