مجتبى خامنئي.. سبعة محاور تحدد مسار إيران في زمن الحرب
تتجه الأنظار داخل إيران وخارجها إلى الرسالة الأولى التي سيصدرها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في أول خطاب سياسي له منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الضربة الأولى للحرب. وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تخوض إيران مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل ضربات جوية مكثفة طالت مواقع عسكرية وقيادية داخل البلاد.
ووفق ما أعلنه الموقع الرسمي للمرشد الجديد، فإن الرسالة المرتقبة وُصفت بأنها «استراتيجية»، إذ تتضمن سبعة محاور رئيسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتتناول قضايا تتعلق بالقيادة السياسية، ودور الشعب، ومهام القوات المسلحة، ومسؤوليات المؤسسات الحكومية، إضافة إلى دور ما يُعرف بـ«جبهة المقاومة» وطبيعة المواجهة مع خصوم إيران.
خلافة استثنائية في ظل الحرب
تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في ظروف استثنائية وغير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بعد مقتل والده علي خامنئي خلال الضربة الأولى التي استهدفت مواقع قيادية في طهران مع بداية الحرب في 28 فبراير الماضي.
وكانت الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل قد استهدفت مجمعاً قيادياً في قلب العاصمة الإيرانية، حيث يقيم المرشد، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين إضافة إلى المرشد السابق، وفق الرواية الإيرانية الرسمية.
وجاء اختيار مجتبى خامنئي سريعاً لتولي المنصب في وقت كانت القيادة الإيرانية تواجه تحدياً كبيراً يتعلق بالحفاظ على استمرارية السلطة وإدارة الحرب في آن واحد. ويرى محللون أن سرعة حسم مسألة الخلافة هدفت إلى تجنب حدوث فراغ في السلطة قد تستغله الأطراف المعادية لإيران.
ورغم أن خامنئي الابن لم يكن شخصية عامة بارزة مثل والده، فإنه كان يتمتع بنفوذ كبير داخل المؤسسة السياسية والأمنية في البلاد، خصوصاً من خلال عمله الطويل داخل مكتب المرشد.
غموض حول الحالة الصحية للمرشد الجديد
تزامن الإعلان عن الرسالة الأولى للمرشد الجديد مع استمرار الغموض بشأن حالته الصحية، إذ لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ توليه منصبه.
وأفاد مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» أن خامنئي أصيب بجروح طفيفة خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية في الأيام الأولى من الحرب، لكنه ما زال يواصل أداء مهامه رغم عدم ظهوره العلني حتى الآن.
وفي المقابل، نقلت تقارير إعلامية أخرى روايات مختلفة حول طبيعة إصاباته. فقد قال السفير الإيراني في قبرص علي رضا سالاران إن خامنئي أصيب في الساقين واليد والذراع خلال الهجوم الذي قتل فيه والده، مشيراً إلى أنه يعتقد أن المرشد الجديد يتلقى العلاج في أحد المستشفيات.
كما نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصدر مطلع أن خامنئي أصيب بكسر في القدم إضافة إلى إصابات طفيفة أخرى، بينها كدمة حول العين اليسرى وجروح سطحية في الوجه.
ورغم هذه التقارير، حاولت شخصيات مقربة من السلطة الإيرانية التقليل من أهمية هذه الأنباء. فقد أكد نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في رسالة عبر تطبيق «تلغرام» أن المرشد الجديد «سالم وبخير»، في محاولة لطمأنة الرأي العام الإيراني.
الرسالة الأولى ومحاورها الاستراتيجية
بحسب ما أعلن الموقع الرسمي للمرشد الإيراني، فإن الرسالة المرتقبة تتضمن سبعة محاور رئيسية تشكل الإطار العام للسياسة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
ويتناول المحور الأول الإرث السياسي والديني للمرشد السابق علي خامنئي، حيث من المتوقع أن يركز الخطاب على الاستمرار في نهجه السياسي والعقائدي، باعتباره أحد الركائز الأساسية للنظام الإيراني.
أما المحور الثاني فيتعلق بدور الشعب الإيراني في مواجهة التحديات الراهنة، خاصة في ظل الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة.
ويخصص المحور الثالث للقوات المسلحة الإيرانية، التي تلعب دوراً محورياً في إدارة المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين يتناول المحور الرابع مسؤوليات الأجهزة التنفيذية في إدارة شؤون الدولة خلال فترة الحرب.
ويتطرق المحور الخامس إلى ما تسميه إيران «جبهة المقاومة»، وهي الشبكة الإقليمية من الحلفاء والجماعات المسلحة التي تدعمها طهران في عدد من دول المنطقة.
أما المحوران السادس والسابع فيركزان على العلاقات الإقليمية وطبيعة المواجهة مع خصوم إيران، مع التأكيد على ما تعتبره طهران «حقها في الدفاع عن نفسها» في مواجهة الهجمات الخارجية.
شخصية غامضة خرجت من الظل
يُعد مجتبى خامنئي من أكثر الشخصيات غموضاً في النخبة السياسية الإيرانية، إذ ظل بعيداً عن الأضواء طوال سنوات عمله داخل مكتب والده.
ورغم هذا الغموض، تشير تقارير عديدة إلى أنه كان يتمتع بنفوذ كبير داخل دوائر القرار، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات مع الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
وخلال السنوات الماضية، تولى خامنئي إدارة ملفات سياسية وأمنية حساسة داخل مكتب المرشد، وكان يشغل منصب رئيس مكتب والده لفترة طويلة، ما جعله على تماس مباشر مع مختلف مراكز القوة في النظام الإيراني.
ويرى محللون أن هذه العلاقات القوية، خصوصاً مع الحرس الثوري، لعبت دوراً مهماً في دعمه لتولي منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده.
الضربات الأولى واستهداف القيادة الإيرانية
تشير تقارير أميركية وإسرائيلية إلى أن الضربات الجوية التي بدأت في 28 فبراير كانت تهدف إلى توجيه ضربة قاصمة للقيادة الإيرانية وشل قدرتها على إدارة الصراع.
وقد استهدفت تلك الضربات مواقع عسكرية ومراكز قيادية ومقرات مرتبطة بمكتب المرشد في طهران، إضافة إلى قواعد للحرس الثوري ومنشآت عسكرية أخرى.
كما ألقت طائرات إسرائيلية قنابل خارقة للتحصينات على مجمع إقامة المرشد في منطقة باستور المحصنة وسط العاصمة الإيرانية، وهو ما أدى إلى دمار واسع في الموقع وفق صور الأقمار الصناعية.
وقال مسؤولون إيرانيون إنهم يعتقدون أن الهجوم كان يستهدف أيضاً مجتبى خامنئي، في محاولة للقضاء على القيادة الإيرانية بالكامل منذ بداية الحرب.
إيران بين الحرب وإعادة ترتيب القيادة
رغم الضربات الواسعة التي تعرضت لها إيران خلال الأسابيع الماضية، تشير التطورات إلى أن القيادة الإيرانية تمكنت من الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وإدارة العمليات العسكرية.
فقد واصلت القوات الإيرانية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، كما استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، في إطار ما تصفه طهران بالرد على الهجمات التي تتعرض لها.
وفي الوقت نفسه، تعمل القيادة السياسية على إعادة ترتيب هياكلها بعد الخسائر التي لحقت ببعض كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في الضربات الأولى.
ويرى مراقبون أن الرسالة الأولى للمرشد الجديد ستكون اختباراً مهماً لقدرته على توحيد الصف الداخلي وإدارة المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد.
مرحلة جديدة في تاريخ إيران
مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في خضم الحرب، تدخل إيران مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. فالرجل الذي كان يعمل في الظل لسنوات طويلة أصبح الآن المسؤول الأول عن إدارة دولة تواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية والتوترات الإقليمية، ينتظر كثيرون مضمون الرسالة الأولى للمرشد الجديد لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت طهران ستواصل التصعيد العسكري أم ستبحث عن مخرج سياسي ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة.