مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

كيف تفكر مؤسسات صنع القرار الأمريكي في استمرارية الحرب مع إيران؟

نشر
الأمصار

تشهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران حالة من الجدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة، خاصة في ظل التصريحات المتباينة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان إدارته.

وبينما أعلن ترامب في أكثر من مناسبة أن الحرب أوشكت على الانتهاء وأن أهدافها الرئيسية تحققت إلى حد كبير، تستمر العمليات العسكرية والضربات الجوية ضد مواقع إيرانية، ما يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية وموقف مؤسسات صنع القرار من استمرار هذا الصراع.

هذا التناقض الظاهر في التصريحات لا يعكس بالضرورة ارتباكًا في السياسة الأمريكية، بقدر ما يعكس تعدد الاعتبارات التي تحكم قرار الحرب والسلام في واشنطن، حيث تتداخل حسابات الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية، والضغوط السياسية الداخلية، إضافة إلى التوازنات الإقليمية والدولية.

تصريحات ترامب بين إنهاء الحرب واستمرار العمليات

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 9 مارس 2026 أن الحرب ضد إيران "انتهت إلى حد كبير"، مؤكدًا أن الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية حققت أهدافها الأساسية.

غير أن هذا الإعلان جاء في وقت ما تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة، وهو ما أثار تساؤلات بين الخبراء والمحللين بشأن المقصود بتلك التصريحات.

فمن ناحية، يسعى ترامب إلى تقديم الحرب للرأي العام الأمريكي باعتبارها عملية ناجحة وسريعة حققت أهدافها دون التورط في حرب طويلة. 

ومن ناحية أخرى، تشير تصريحات أخرى للرئيس الأمريكي إلى أن قرار إنهاء الحرب بشكل كامل سيأتي بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أكثر تمسكًا باستمرار العمليات العسكرية حتى إسقاط النظام الإيراني.

هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يعكس طبيعة التوازنات التي تحاول الإدارة الأمريكية إدارتها، خاصة في ظل الضغوط الداخلية التي تحذر من الانزلاق إلى حرب طويلة في الشرق الأوسط.

البيت الأبيض وتبرير التصعيد العسكري

لعب البيت الأبيض دورًا رئيسيًا في تبرير قرار الهجوم العسكري على إيران، من خلال تقديم مجموعة من المبررات المرتبطة بالأمن القومي الأمريكي والاستقرار الدولي.

فقد أكد ترامب في خطاب موجه إلى الشعب الأمريكي قبل بدء الهجوم أن النظام الإيراني يمثل مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار في العالم، متهمًا طهران بدعم جماعات مسلحة في الشرق الأوسط وتهديد حلفاء الولايات المتحدة.

وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن إيران دأبت على مدى عقود على دعم ميليشيات مسلحة وتنفيذ سياسات تهدد أمن الملاحة الدولية، بالإضافة إلى استهداف القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، قدمت الإدارة الأمريكية العمليات العسكرية باعتبارها خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي الأمريكي، وكذلك لحماية حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.

وزارة الخارجية والرواية الاستباقية للحرب

من جانبها، قدمت وزارة الخارجية الأمريكية تفسيرًا آخر لقرار الحرب، يقوم على مبدأ "الضربة الاستباقية".

فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة كانت على علم بأن إسرائيل تخطط لشن هجوم على إيران، وأن هذا الهجوم كان سيؤدي حتمًا إلى رد انتقامي إيراني ضد القوات الأمريكية في المنطقة.

وبناء على ذلك، اعتبرت واشنطن أن تنفيذ ضربة استباقية ضد إيران كان الخيار الأفضل لتقليل الخسائر المحتملة في صفوف القوات الأمريكية.

كما أكد روبيو أن الهدف الرئيسي للحملة العسكرية يتمثل في تدمير القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ الباليستية، من خلال استهداف منصات الإطلاق والمصانع المرتبطة بإنتاج هذه الصواريخ.

وأشار أيضًا إلى أن إضعاف القدرات البحرية الإيرانية يعد هدفًا رئيسيًا للعمليات العسكرية، نظرًا لدور هذه القدرات في تهديد الملاحة الدولية في الخليج.

وزارة الحرب واستراتيجية الضغط العسكري

أما وزارة الحرب الأمريكية فقد ركزت في تصريحاتها على الجانب العسكري من العمليات الجارية، مؤكدة أن الحملة ضد إيران تسير وفق خطة مدروسة.

وأوضح وزير الحرب بيت هيجسيث أن الولايات المتحدة لم تستخدم بعد كامل قدراتها العسكرية، مشيرًا إلى أن القنابل الثقيلة المخصصة لتدمير المنشآت المحصنة لم تُستخدم حتى الآن.

كما وصف الحرب الحالية بأنها "غير متكافئة عن عمد"، في إشارة إلى التفوق العسكري الكبير الذي تتمتع به الولايات المتحدة وإسرائيل مقارنة بإيران.

وأكد هيجسيث أن إعلان النصر لن يتم قبل تحقيق الأهداف العسكرية بالكامل، بما في ذلك تدمير البنية التحتية للبرنامج الصاروخي الإيراني.

الرأي العام الأمريكي وتأثيره على القرار

يُعد الرأي العام الأمريكي عاملًا مهمًا في حسابات مؤسسات صنع القرار في واشنطن، خاصة في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر 2026.

فعلى الرغم من الدعم القوي الذي يقدمه أنصار ترامب، خصوصًا داخل حركة "أمريكا أولًا"، لسياسات الرئيس الخارجية، فإن هناك تيارًا متناميًا داخل الولايات المتحدة يعارض استمرار الحرب.

ويرى هذا التيار أن الولايات المتحدة قد تنجر إلى حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط بسبب دعمها غير المشروط لإسرائيل.

كما يحذر بعض الخبراء من أن استمرار الحرب قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد الأمريكي ويضعف فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

لذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيق توازن بين استمرار الضغط العسكري على إيران وبين تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد.

خطر تفكك إيران في الحسابات الأمريكية

على الرغم من الخطاب المتشدد الذي تتبناه واشنطن تجاه طهران، فإن هناك إدراكًا داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية لمخاطر انهيار الدولة الإيرانية بشكل كامل.

فإيران دولة متعددة الأعراق تضم مجموعات مختلفة مثل الأكراد والبلوش والعرب الأحوازيين والأذريين، وقد يؤدي انهيار السلطة المركزية إلى تفكك البلاد إلى كيانات منفصلة.

ويمثل هذا السيناريو مصدر قلق كبير للولايات المتحدة وحلفائها، لأنه قد يؤدي إلى انتشار الفوضى وظهور جماعات مسلحة جديدة في المنطقة.

كما أن تفكك إيران قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية على الموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز، وهو ما قد يفاقم حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

أمن الطاقة العالمي كمحدد رئيسي

يعد أمن الطاقة العالمي أحد أهم العوامل التي تؤثر في الموقف الأمريكي من الحرب مع إيران.

فإيران، رغم العقوبات المفروضة عليها، لا تزال تصدر نحو مليون ونصف المليون برميل من النفط يوميًا إلى الأسواق العالمية.

كما أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية.

وأي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في المضيق سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

ولهذا السبب أعلن ترامب إمكانية رفع بعض العقوبات النفطية بشكل مؤقت بهدف تهدئة الأسواق العالمية وتقليل تأثير الحرب على أسعار الطاقة.

حماية إسرائيل والاعتبارات الاستراتيجية

تلعب حماية إسرائيل دورًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران.

فبعد سنوات من التوترات والصراعات في المنطقة، ترى واشنطن أن البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران للجماعات المسلحة يمثلان تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي.

كما أن الهجمات التي تعرضت لها إسرائيل في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، عززت المخاوف من تآكل قدرة الردع الإسرائيلية.

ومن هذا المنطلق، تعتبر الإدارة الأمريكية أن إضعاف إيران يمثل خطوة ضرورية لضمان أمن إسرائيل واستقرار المنطقة.

الصراع مع الصين في خلفية المشهد

لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي ضد إيران بمعزل عن التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.

فإيران تعد أحد الموردين الرئيسيين للنفط إلى الصين، كما أن بكين ترتبط بعلاقات اقتصادية متنامية مع طهران.

وبالتالي فإن إضعاف إيران أو تقليص قدرتها على تصدير النفط قد يؤثر بشكل غير مباشر على الاقتصاد الصيني.

كما أن التحركات الأمريكية ضد فنزويلا في وقت سابق تعكس توجهًا أوسع لدى واشنطن للضغط على الدول التي تمثل مصادر مهمة للطاقة بالنسبة للصين.

خلاصة المشهد الاستراتيجي

في النهاية، يبدو أن مؤسسات صنع القرار الأمريكية تتفق على الأهداف الأساسية للحرب ضد إيران، لكنها تختلف في تقدير حدود التصعيد المطلوب لتحقيق هذه الأهداف.

فبينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتدمير برنامجها النووي، فإنها تحاول في الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا.

وبين الضغوط الداخلية والحسابات الدولية، تظل الاستراتيجية الأمريكية قائمة على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية والسياسية بأقل تكلفة ممكنة، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة في حال تغيرت موازين القوى على الأرض.