كيف يصل مقاتلو «حزب الله» إلى القرى الحدودية مع إسرائيل؟
تشهد القرى الحدودية في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة تصعيداً أمنياً جديداً مع عودة الاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي «حزب الله»، في وقت يطرح فيه مراقبون تساؤلات حول كيفية وصول عناصر الحزب إلى مناطق يُفترض أنها خضعت لانتشار الجيش اللبناني وإجراءات أمنية مشددة عقب الحرب الأخيرة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع موجة نزوح متزايدة من القرى الجنوبية نحو مدينة صيدا والمناطق المجاورة، وسط أوضاع إنسانية صعبة ونقص واضح في المساعدات.
تساؤلات حول عودة مقاتلي «حزب الله»
أثارت المواجهات التي شهدتها بلدات حدودية مثل الخيام والضهيرة وكفركلا تساؤلات حول الكيفية التي تمكن بها مقاتلو «حزب الله» من الظهور مجدداً داخل هذه القرى.
فخلال الأشهر الماضية، وبعد توقف الحرب الأخيرة، كان الجيش اللبناني قد انتشر في عدد كبير من القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني في إطار ترتيبات أمنية هدفت إلى تثبيت الاستقرار ومنع أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة.
وبحسب هذه الترتيبات، كان من المفترض تفكيك البنية العسكرية للحزب في تلك المنطقة، إضافة إلى تعزيز وجود الجيش اللبناني على الأرض لمنع إعادة بناء مواقع أو مخازن للأسلحة. إلا أن عودة الاشتباكات في هذه القرى وظهور عناصر مسلحة مجدداً أثارا علامات استفهام حول مدى فعالية تلك الإجراءات الأمنية.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تشير إلى احتمالين أساسيين: إما أن مقاتلي الحزب تسللوا إلى هذه المناطق في الساعات الأخيرة مستفيدين من معرفتهم الجغرافية الدقيقة بالمنطقة، أو أنهم كانوا موجودين أصلاً داخل القرى منذ فترة ولم تشملهم عمليات التفتيش التي نفذها الجيش اللبناني.
إجراءات أمنية مشددة على طرق الجنوب
في محاولة لمنع انتقال مقاتلين أو أسلحة إلى مناطق المواجهة، شدد الجيش اللبناني إجراءاته الأمنية على الحواجز المؤدية إلى جنوب لبنان، تطبيقاً لقرارات حكومية صدرت في أعقاب التصعيد الأخير.
وأفادت معلومات أمنية بأن القوى العسكرية أوقفت عدداً من الأشخاص الذين كانوا يحاولون عبور هذه الحواجز، بعدما عُثر بحوزتهم على أسلحة غير مرخصة. وتبين أن بعض الموقوفين ينتمون إلى جهات حزبية، فيما كان آخرون مدنيين.
كما تم تكثيف عمليات التفتيش للسيارات والشاحنات التي يُشتبه في أنها قد تنقل أسلحة أو معدات عسكرية. وتأتي هذه الإجراءات في إطار محاولة الدولة اللبنانية ضبط الوضع الأمني ومنع توسع الاشتباكات في المناطق الحدودية.
مقاتلون من أبناء القرى
مصادر أمنية ترجح أن يكون عدد من عناصر «حزب الله» الذين ظهروا في القرى الحدودية موجودين أصلاً في المنطقة داخل منازلهم أو منازل أقاربهم، وهو ما يفسر قدرتهم على التحرك بسرعة عند اندلاع الاشتباكات.
وتشير هذه المصادر إلى أن الجيش اللبناني كان قد أجرى مسحاً شاملاً للوديان والمناطق الجبلية جنوب الليطاني خلال الأشهر الماضية، حيث تم اكتشاف وإغلاق عدد من الأنفاق التي كانت تستخدم لأغراض عسكرية. إلا أن عمليات التفتيش لم تشمل معظم المنازل الخاصة، الأمر الذي قد يكون سمح ببقاء بعض المقاتلين داخل القرى.
كما تؤكد المصادر أن جنوب لبنان لم يشهد حتى الآن عمليات توغل إسرائيلية واسعة النطاق، بل إن ما يجري حالياً يندرج في إطار عمليات محدودة يمكن وصفها بـ«جس النبض»، تهدف إلى اختبار وضعية «حزب الله» في المناطق التي قد يفكر الجيش الإسرائيلي في دخولها لاحقاً.
تراجع القدرات الدفاعية للحزب
من جهته، يرى العميد المتقاعد حسن جوني أن عودة عناصر «حزب الله» إلى بعض القرى الحدودية قد تكون مرتبطة جزئياً بعملية تموضع الجيش اللبناني في تلك المناطق خلال الأيام الماضية، ما سهل الحركة داخل القرى.
إلا أنه يستبعد في الوقت نفسه أن يتمكن الحزب من إعادة بناء بنية دفاعية مشابهة لتلك التي كانت موجودة قبل الحرب الأخيرة. فالهجمات الإسرائيلية المتواصلة خلال الحرب وبعدها أدت إلى تدمير جزء كبير من تلك البنية، بما في ذلك المخازن والمنشآت العسكرية.
ويضيف جوني أن الجيش اللبناني قام أيضاً بتفكيك عدد كبير من مخازن الأسلحة التي عُثر عليها في المنطقة، لكن من المرجح أن بعض المخازن لا يزال مخفياً ولم يتم اكتشافه بعد، خصوصاً أن الحزب لم يقدم للجيش خرائط دقيقة لمواقع هذه المخازن.
ومع ذلك، يؤكد جوني أن عناصر الحزب يمتلكون معرفة واسعة بطبيعة الأرض في الجنوب وبالمسالك والممرات التي يمكن استخدامها للتحرك بعيداً عن أعين القوات المنتشرة على الحواجز.
نزوح واسع نحو صيدا
في موازاة التطورات العسكرية، تتزايد موجة النزوح من القرى الجنوبية باتجاه مدينة صيدا، التي تحولت خلال الأيام الماضية إلى محطة رئيسية للنازحين الفارين من القصف أو الخوف من توسع المواجهات.
وعلى كورنيش صيدا البحري، افترشت عشرات العائلات الأرصفة والمساحات العامة، بعدما عجزت عن العثور على مساكن للإيجار أو أماكن داخل مراكز الإيواء التي امتلأت بسرعة.
إحدى هذه العائلات المكونة من عشرة أفراد نصبت مأوى بسيطاً باستخدام بطانية ربطت بين سور الكورنيش وسيارة صغيرة، لتشكل سقفاً مؤقتاً يقيهم حرارة النهار وبرودة الليل.
ويقول رب الأسرة إن العائلة لا تمتلك القدرة المالية لاستئجار منزل، خصوصاً أن أسعار الإيجارات ارتفعت بشكل كبير مع تزايد أعداد النازحين.
أوضاع إنسانية صعبة
تواجه العائلات النازحة ظروفاً إنسانية صعبة، حيث يضطر كثيرون للنوم داخل السيارات أو على الأرصفة، في ظل نقص واضح في المساعدات الغذائية والإنسانية.
وتقول إحدى الأمهات النازحات إنها فضلت البقاء في العراء على الانتقال إلى مراكز الإيواء المكتظة، حيث تضطر عدة عائلات إلى تقاسم غرفة صغيرة، كما يضطر الناس إلى الانتظار طويلاً لاستخدام المرافق الصحية.
وتضيف أنها قطعت مع أطفالها رحلة نزوح استمرت أكثر من عشرين ساعة قبل الوصول إلى صيدا، مشيرة إلى أن التعب الجسدي والنفسي كان كبيراً، خاصة بالنسبة للأطفال.
قلة المساعدات والمبادرات
رغم تزايد أعداد النازحين، يشكو كثيرون من ضعف المبادرات الإنسانية والمساعدات المقدمة لهم. فبعض العائلات لم تتلق سوى مساعدات بسيطة مثل سندويشات أو مواد غذائية محدودة قدمها متطوعون أو أفراد بشكل فردي.
ويقول رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي إن المدينة افتتحت حتى الآن 24 مركز إيواء، لكنها امتلأت بالكامل مع وصول أكثر من 12 ألف نازح خلال فترة قصيرة.
وأضاف أن حجم المساعدات المتوفرة لا يغطي سوى نحو 10 في المائة من الاحتياجات الفعلية، مشيراً إلى أن البلدية تعمل حالياً على تأمين الاحتياجات الأساسية مثل البطانيات والفرش والمواد الغذائية.
دعوات للتوجه إلى الشمال
تحاول السلطات اللبنانية توجيه النازحين إلى مناطق الشمال حيث تتوفر مراكز إيواء إضافية. وقد أعلنت الحكومة أن هناك عشرات المراكز الجاهزة لاستقبال العائلات.
لكن كثيراً من النازحين يفضلون البقاء في صيدا أو القرى القريبة منها، لعدة أسباب، منها الخوف من الابتعاد كثيراً عن منازلهم في حال انتهت الحرب سريعاً، إضافة إلى مخاوف من التعرض لمضايقات في بعض المناطق أو من احتمال توسع المواجهات إلى مناطق أخرى.
ومع استمرار التصعيد العسكري على الحدود، يبقى مصير هؤلاء النازحين معلقاً بين انتظار انتهاء القتال أو الاستعداد لموجة نزوح أطول قد تزيد من تعقيد المشهد الإنساني في لبنان.