رمضان في عُمان.. حين تتعانق الروحانية مع الموروث وتُبعث الطقوس من جديد
مع حلول شهر رمضان المبارك، لا تكتفي سلطنة عمان باستقبال موسم ديني عابر، بل تفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها، لتستحضر عادات متجذّرة في الوجدان، وطقوسًا توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
هنا، يمتزج صوت الأذان بنداءات الأطفال في الأزقة، وتلتقي موائد الإفطار في المساجد والمجالس، فيما تتوهج الأسواق استعدادًا للعيد.
إنه رمضان العماني، الذي يتجاوز حدود الصوم إلى فضاء أوسع من التلاحم الاجتماعي، والتكافل، وإحياء التراث.
روحانية الشهر.. مساجد عامرة وقلوب متآلفة

يتميّز رمضان في عُمان بأجواء إيمانية عميقة، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاتي التراويح والقيام، وتُقام حلقات الذكر وتلاوة القرآن في مختلف الولايات.
ويحرص الكثيرون على ختم المصحف الشريف خلال الشهر الفضيل، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع العماني بالقرآن الكريم وتعاليمه.
كما تشهد المجالس العامة والبيوت جلسات دينية تُناقش فيها فضائل الشهر وأحكام الصيام، ويتحوّل المساء إلى مساحة للتقارب الأسري وصلة الأرحام، إذ تتبادل العائلات الزيارات بعد صلاة التراويح، وسط أجواء يغلب عليها الود والسكينة.
الإفطار الجماعي.. مائدة واحدة تجمع الجميع
من أبرز ملامح الشهر الكريم في المجتمع العماني عادة الإفطار الجماعي، سواء في المساجد أو في “السبلة” والمجالس العامة، أو في بيت أكبر أفراد العائلة سنًا. هناك، يجتمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة، في صورة تختصر معنى التراحم والتلاحم.

وتحضر الأطباق العمانية التقليدية بقوة في هذا المشهد، مثل “الهريس” و”العرسية” و”الثريد”، إلى جانب التمر والماء واللبن، لتشكّل هوية خاصة للمائدة الرمضانية في البلاد.

ويؤكد عدد من المهتمين بالتراث أن هذه العادة تمثل “مدرسة اجتماعية” تُغرس فيها قيم المشاركة والانتماء، وتُورّث من جيل إلى آخر.
“قرنقشوه”.. فرحة منتصف الشهر بأصوات الأطفال
في منتصف رمضان، تتزيّن الأحياء السكنية باحتفالية “قرنقشوه”، وهي عادة منتشرة في عدد من دول الخليج، إلا أن لها في عُمان طابعًا خاصًا. يخرج الأطفال بعد الإفطار في مجموعات، حاملين أكياسهم، مرددين أهازيج شعبية طلبًا للحلوى والنقود.

وتُعد محافظة محافظة مسقط من أكثر المناطق احتفاءً بهذه المناسبة، حيث تتجلى مظاهر الفرح في الحارات، ويحرص الأهالي على مكافأة الأطفال وتشجيعهم، في تقليد يعزز قيم التكافل الاجتماعي.
وقد دأبت بلدية مسقط على تنظيم فعاليات خاصة بهذه الليلة في الحدائق العامة، إدخالًا للسرور على قلوب الصغار، وإحياءً للموروث الشعبي في قالب عصري منظم.
“قتل حنش”.. رسالة رمزية من أرض اللبان
وفي محافظة ظفار، وتحديدًا في مدينة صلالة، تبرز فعالية “قتل حنش” كواحدة من الطقوس الرمزية المرتبطة باستقبال الشهر الكريم

وتحمل هذه العادة دلالة معنوية تشير إلى القضاء على النميمة والغيبة، وبدء صفحة جديدة من الصفاء والتسامح مع قدوم رمضان.
يتجمع الأهالي في أجواء احتفالية يغلب عليها الطابع الأسري، ويتبادلون الأطباق التقليدية والتهاني، في مشهد يعكس روح التفاؤل والتجدد التي يحملها الشهر الفضيل.
“التومينة”.. احتفاء بختم القرآن
من العادات الراسخة أيضًا احتفالية “التومينة” أو “التأمينة”، التي تُقام تكريمًا للأطفال الذين يتمّون حفظ القرآن الكريم أو يختمونه خلال رمضان. ويُحتفى بالطفل في موكب يتقدمه المعلم، ويجوب أرجاء الحارة مرددًا الأناشيد الخاصة بالمناسبة.

وفي ختام الاحتفالية، يقدم أهل الطالب هدية للمعلم، غالبًا ما تكون كسوة أو ملابس فاخرة، تقديرًا لجهوده في تعليم الأبناء كتاب الله. وتعكس هذه العادة اهتمام المجتمع العماني بتنشئة الأجيال على القيم الدينية، وربط الفرح بالإنجاز الروحي.
الأسواق والهبطات.. استعدادات لا تتوقف
مع اقتراب الشهر الفضيل، تنشط الأسواق التقليدية في مختلف الولايات، مثل سوق مطرح وسوق نزوى، إضافة إلى الأسواق الأسبوعية، لتلبية احتياجات الأسر من المواد الغذائية والملابس ومستلزمات العيد.

وتبرز كذلك ظاهرة “الهبطات”، وهي أسواق تقليدية تُقام في أيام محددة قبل عيد الفطر، وتشهد إقبالًا واسعًا من المواطنين والزوار. وتختلف مواعيدها من ولاية إلى أخرى، لكنها تمثل إرثًا اقتصاديًا واجتماعيًا يعكس حيوية المجتمع وتعلقه بموروثه.
بين الماضي والحاضر.. تطور يحافظ على الجذور
رغم التطور العمراني والتكنولوجي الذي شهدته السلطنة خلال العقود الأخيرة، فإن المجتمع العماني ما زال حريصًا على صون عاداته الرمضانية.
فقد تحوّلت بعض الممارسات إلى صيغ أكثر تنظيمًا، مستفيدة من وسائل الإعلام الحديثة في إعلان دخول الشهر بدلًا من الطرق التقليدية كإطلاق المدفع، لكن الجوهر بقي ثابتًا.
كما ظهرت مسابقات دينية وثقافية ورياضية للشباب خلال الشهر الكريم، في امتداد طبيعي للألعاب الشعبية القديمة التي كانت تُمارس قبل أذان المغرب أو بعد صلاة التراويح.
رمضان العماني.. هوية متجددة بروح أصيلة
في عُمان، لا يُختزل رمضان في ساعات الصيام أو طقوس العبادة فحسب، بل يتحول إلى مساحة جامعة تتلاقى فيها القيم الروحية والاجتماعية والثقافية.

من “قرنقشوه” التي تُدخل البهجة على قلوب الأطفال، إلى “قتل حنش” برسالته الرمزية، مرورًا بالإفطار الجماعي واحتفالية “التومينة”، تتجسد ملامح مجتمع يتمسك بجذوره وهو يعانق الحداثة.
إنه نموذج فريد لشهر كريم يُعيد ترتيب الأولويات، ويؤكد أن الهوية لا تُحفظ بالكتب وحدها، بل تُصان بالممارسة اليومية، وبذاكرة حيّة تنبض في كل حيٍّ وزقاق.

