مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

تصاعدت حدة المواجهة.. دوافع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

نشر
الأمصار

تصاعدت حدة المواجهة في الشرق الأوسط مع إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ هجوم عسكري واسع النطاق ضد إيران، في عملية وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، واستهدفت مئات المواقع داخل الأراضي الإيرانية. 

العملية التي حملت اسم “زئير الأسد” جاءت في سياق تصعيد متدرج بدأ بضربات سابقة طالت منشآت نووية إيرانية، وأعادت رسم مشهد التوازنات الإقليمية والدولية، وسط إدانات وتحذيرات من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

الهجوم المشترك بين واشنطن وتل أبيب لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وعسكرية، وتقاطعات مصالح معقدة، تتراوح بين إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، وقطع أذرع النفوذ الإقليمي لطهران، وصولًا إلى حسابات الطاقة والنفط في الاستراتيجية الأمريكية الأشمل.

السياق العام للتصعيد

بدأت شرارة المواجهة الحالية بضربة إسرائيلية استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، في مواقع مثل نطنز وفوردو وأصفهان، قبل أن تتوسع العمليات لاحقًا بانخراط مباشر من الولايات المتحدة. 

ومع الضربة الثانية الأوسع، أعلنت واشنطن وتل أبيب استهداف ما يقارب 500 هدف داخل إيران، شملت منشآت عسكرية، ومراكز قيادة، ومخازن صواريخ، وبنى تحتية يُعتقد أنها مرتبطة بالحرس الثوري.

القيادتان الأمريكية والإسرائيلية بررتا العملية باعتبارها تحركًا دفاعيًا استباقيًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإزالة ما وصفته بالتهديد الوجودي. في المقابل، اعتبرت طهران أن ما جرى يمثل عدوانًا مباشرًا على سيادتها، متوعدة بالرد، وهو ما انعكس في هجمات متبادلة طالت أهدافًا في الإقليم، وأثارت مخاوف من اتساع رقعة الصراع لتشمل دولًا عربية.

القضاء على البرنامج النووي الإيراني

يمثل البرنامج النووي الإيراني جوهر الخلاف بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، تصاعدت الشكوك الغربية بشأن نوايا طهران، خاصة مع رفع نسب تخصيب اليورانيوم وتقييد عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ترى إسرائيل أن امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما تعتبر واشنطن أن السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي سيقوض منظومة الردع في الشرق الأوسط، ويدفع دولًا أخرى إلى سباق تسلح نووي. ومن هنا، جاءت الضربات العسكرية كأداة لفرض معادلة جديدة بالقوة، بعد تعثر المسارات الدبلوماسية.

الرهان الأمريكي، وفق مراقبين، يقوم على أن الضربات المكثفة قد تُضعف النظام الإيراني داخليًا، وتفتح المجال أمام تحولات سياسية داخلية، بينما تميل إسرائيل إلى توسيع نطاق المواجهة لتشمل أذرع إيران في المنطقة، بهدف تقويض نفوذها الإقليمي بالكامل.

تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية

لم يعد الخطر، في نظر واشنطن وتل أبيب، مقتصرًا على البعد النووي، فالتطور الكبير في قدرات إيران الصاروخية، سواء من حيث المدى أو الدقة أو القدرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي، جعلها عنصرًا مركزيًا في الحسابات العسكرية.

الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة أثبتت قدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي الإسرائيلية، كما شكلت تهديدًا متزايدًا للقواعد الأمريكية في المنطقة. 

وعليه، استهدفت الضربات مخازن ومنصات إطلاق ومراكز تطوير صاروخي، في محاولة لتقليص قدرة إيران على الرد أو فرض معادلة ردع مضادة.

وترى واشنطن أن تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية يسهم في حماية حلفائها، ويعزز أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، خاصة في الخليج العربي والبحر الأحمر، حيث تكررت هجمات استهدفت سفنًا تجارية وعسكرية خلال السنوات الماضية.

ضرب الأذرع الإقليمية وقطع الإمدادات

أحد الأهداف المعلنة للعملية يتمثل في تعطيل المنظومة التي تدعم حلفاء إيران في المنطقة.

فطهران بنت خلال العقود الماضية شبكة نفوذ تمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، من خلال دعم جماعات مسلحة توفر لها أوراق ضغط استراتيجية.

تتهم الولايات المتحدة إيران بتسليح وتمويل وتدريب هذه الجماعات، واستخدامها لتهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فضلًا عن التأثير في استقرار الدول التي تنشط فيها. 

لذلك، فإن استهداف مراكز القيادة والإمداد داخل إيران يُنظر إليه كجزء من محاولة أوسع لتجفيف منابع الدعم اللوجستي والعسكري.

هذا البعد الإقليمي يزيد من تعقيد المشهد، إذ إن أي تصعيد قد يدفع تلك الأطراف إلى الانخراط المباشر في المواجهة، ما يفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات، تتجاوز الحدود الإيرانية.

النفط وحسابات المصالح الاستراتيجية

لا يمكن فصل التطورات العسكرية عن حسابات الطاقة والاقتصاد. فالنفط يشكل عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية، سواء من حيث ضمان تدفق الإمدادات العالمية، أو منع خصوم واشنطن من توظيف مواردهم لتعزيز نفوذهم.

إيران تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، إلى جانب موقع جغرافي يتحكم في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. 

ومن ثم، فإن أي تغيير في موازين القوى داخل إيران قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، ويعيد تشكيل شراكات اقتصادية في المنطقة.

ويرى محللون أن جزءًا من الحسابات الأمريكية يرتبط بإعادة هندسة المشهد الإقليمي بما يضمن بيئة أكثر توافقًا مع المصالح الغربية، سواء من حيث أمن الطاقة أو تقليص نفوذ القوى المنافسة.

ردود الفعل الدولية واحتمالات التصعيد

أثارت الضربات موجة ردود فعل دولية متباينة. فقد دعت قوى كبرى إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، فيما حذرت أطراف إقليمية من تداعيات استهداف منشآت داخل دول أخرى. 

كما برزت مخاوف من أن تؤدي المواجهة إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط، ما سينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

السيناريوهات المطروحة تتراوح بين احتواء التصعيد عبر قنوات دبلوماسية خلفية، أو انزلاق الأمور إلى مواجهة أوسع تشمل ضربات متبادلة واستهداف مصالح متفرقة في المنطقة. 

ويظل العامل الحاسم هو كيفية قراءة القيادة الإيرانية للرسائل العسكرية، ومدى استعدادها للذهاب بعيدًا في الرد.

خاتمة مفتوحة على المجهول

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تعكس لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع حسابات الطاقة والنفوذ الجيوسياسي. 

الأهداف المعلنة تركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وتعطيل شبكات نفوذها الإقليمية، وضمان أمن الحلفاء.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى رهينًا بتفاعلات معقدة، داخل إيران وخارجها، في ظل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة. 

وبينما تتصاعد نذر المواجهة، يبقى السؤال الأبرز: هل تفتح هذه الحرب الباب أمام إعادة تشكيل شاملة للإقليم، أم تدفعه إلى مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار؟.