إميل أمين يكتب: «إيران... هل هو زمن خريف النظام الثيوقراطي؟»
في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، كتب المحلل السياسي الأميركي من أصل إيراني، كريم سجادبور، مقالاً عبر مجلة «فورين أفيرز» الأميركية تحت عنوان «خريف آيات الله» متسائلاً: ما نوع التغيير الذي سيحدث في إيران؟
بدا منطلق التساؤل أنه حان بالفعل زمن نهاية النظام الثيوقراطي الذي يحكم هناك منذ عام 1979، ومن ثم يتوجب البحث عما إذا كان أوان انهياره قد وجب، مع البحث عمن سيخلفه.
اليوم، وفي ظل عملية «الغضب الملحمي» ومن حولها «زئير الأسد»، باتت علامات الاستفهام المتقدمة محل اختبار بالفعل، كما أن البحث عن الإجابات يبدو أمراً مهماً للغاية مهما يكن من شأن القتال الجاري على الأرض، والذي لا يقطع أحد بمآلاته المتوقعة.
لعل النتيجة الحتمية المؤكدة بداية للضربات الجارية، موصولة بالانهيار الاقتصادي الكامل والشامل للنظام الثيوقراطي، لا سيما أن طهران لا تملك أساساً اقتصادياً يُذكر. والحقيقة هي أن الاقتصاد الإيراني كان يقف بالفعل على حافة الهاوية الاقتصادية، والآن تبدو الهجمات الأخيرة كأنها تدفعه نحو منحدر السقوط، لا سيما في ظل الحصار المضروب عليه من المؤسسات المالية الدولية، ناهيك بالتضييق على تصدير النفط إلى حد المنع التام.
هل الانهيار الاقتصادي سيضحى الدرب المكين في طريق سقوط دولة الثيوقراطيين الإيرانيين؟
الثابت أن اغتيال المرشد علي خامنئي ونحو الأربعين من كبار القادة المقربين منه من السياسيين والعسكريين الذين يعدون ركيزة أساسية لبقاء النظام، خطب جلل، يضاف إلى خسارة النظام أركاناً سابقة له خلال عمليات حرب الـ12 يوماً الماضية، والكثير قبلها.
مثّل هؤلاء وأولئك ركائز أساسية لبقاء النظام، وبخاصة في ظل الخبرات التراكمية لديهم عبر نحو خمسة عقود، واليوم تُمحى الطبقة الحاكمة، مما يفتح الباب، وغالباً أنه فُتح بالفعل للصراع من حول المناصب، وهذا بداية التفكيك الذي يعقب التفخيخ.
هنا يطفو التساؤل الواجب علينا تأمله: مَن سيغتنم الفرصة لتوحيد الشعب وتقديم بديل للنظام الدوغمائي، وهل سيطول الانتظار؟
الشاهد أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهار الأحد الماضي، عن قادة إيران الجدد، ورغبتهم في التواصل وفتح حوار جديد مع واشنطن، حكماً تُعطي انطباعاً بأن هناك تغييرات هيكلية تجري على الأرض، فيما نفي علي لاريجاني مسؤول الأمن القومي ورجل الساعة حالياً، قد يفيد بأن الصراع على السلطة انطلق على أرض الواقع قولاً وفعلاً.
ما الذي أوصل رجال الدين الإيرانيين إلى زمن الخريف؟
المؤكد أن النظرة المطلقة إلى ما هو نسبي، والحكم بمنطلقات رؤيوية فوقية ما ورائية، زرعا في نفوس الإيرانيين حالة من الريبة والشك تجاه العالم القريب والبعيد، مما صّور الغرباء على أنهم مفترسون، والمطلعون على أنهم خونة، وأخضع مؤسسات الحكم على مدى خمسة عقود لبضعة رجال، مما أحلَّ العبادة لشخوصهم محل تقييم وضعية حوكمتهم وإدارتهم شؤون البلاد، فغابت المساءلة وعمَّ الفساد، كما تم تغييب العقل لصالح الأسطورة.
فقد النظام الثيوقراطي شرعيته، حين نسي أو تناسى مفهوم القوة العظمى، تلك القادرة على الامتداد والتوسع الجيوسياسي خارج أطر جغرافيتها المحلية.
كانت فكرة حروب الوكالات سبباً رئيسياً في فقدان النظام شرعيته الدولية، لا سيما عبر استغلال الهويات الطائفية والدينية سلاحاً، وتغذية الجماعات الإرهابية، وتزويد روسيا بالسلاح في حربها ضد أوكرانيا، ولطالما كانت إيران محركاً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
يشبّه سجادبور، إيران اليوم، بالاتحاد السوفياتي في أواخر أيامه، فهي تُبقي على آيديولوجيتها البالية بالإكراه، وقيادتها المتصلبة وقفت طويلاً في وجه الإصلاح، ومجتمعها انصرف إلى حد كبير عن الدولة، وفق قوله.
الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الثيوقراطيون، هو رغبتهم في الانتقام من التاريخ الذي عرَّضهم لمظالم متراكمة عبر القرون، فبدوا أقرب إلى دونكيشوت في محاربة طواحين الهواء بسيفه الخشبي.
تاريخياً شهدت إيران في القرن التاسع عشر خسارة نحو نصف أراضيها لصالح جيرانها الطامعين، فتنازلت عن القوقاز (الذي يضم أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وداغستان حالياً) لروسيا، وتخلت عن هرات لأفغانستان تحت ضغط بريطاني، وبحلول أوائل القرن العشرين قسمت روسيا والمملكة المتحدة البلاد إلى مناطق نفوذ، وبحلول عام 1946 احتلت القوات السوفياتية أذربيجان الإيرانية وحاولت ضمها، وفي عام 1953 دبرت المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية انقلاباً أسهم في الإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق.
رغبة النظام الثيوقراطي في الانتقام من التاريخ، أضرت ليس بشعبه فحسب، بل بدول الجوار، وربما من هنا انطلقت فكرة حيازة السلاح النووي والصاروخي وغيرهما ليضحى رقماً صعباً في خريطة المنطقة جغرافياً.
خريف الثيوقراطيين تمثَّل في سردية الأوهام التي حملت في طياتها بذور الانحلال، فهل ستقود التطورات الأخيرة إلى ربيع إيراني حقيقي غير منحول؟
نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط