إيران ما بعد خامنئي.. خطوط حمراء أمريكية في مرحلة الغموض
دخلت إيران منعطفًا تاريخيًا غير مسبوق بعد الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أعقاب هجوم إسرائيلي–أمريكي، لتجد البلاد نفسها أمام فراغ سياسي هو الأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وبينما تتسارع التطورات في الداخل الإيراني، تتكثف النقاشات في واشنطن والعواصم الغربية حول شكل المرحلة المقبلة، وحدود الدور الأمريكي في رسم ملامح إيران الجديدة.
التقرير الذي نشره موقع ناشيونال إنترست الأمريكي، يسلط الضوء على ما وصفه بـ«الخطين الأحمرين» اللذين ينبغي على الولايات المتحدة الالتزام بهما خلال المرحلة الانتقالية، محذرًا من الانزلاق إلى سيناريوهات قد تعيد إنتاج الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
فراغ السلطة.. سباق داخلي ومخاوف خارجية

منذ الإعلان عن مقتل خامنئي، بدأت ملامح صراع خفي تتشكل داخل أروقة السلطة الإيرانية، خاصة في ظل نفوذ الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد اللاعب الأكثر تنظيمًا وتسليحًا في المشهد الداخلي.
ويرى مراقبون أن المؤسسة الأمنية قد تسعى لتقديم نفسها باعتبارها «الضامن الوحيد للاستقرار»، مستفيدة من حالة القلق الشعبي والارتباك السياسي.
وفي المقابل، تتداول أوساط معارضة في الخارج خرائط وسيناريوهات لإعادة تشكيل إيران، تتراوح بين الفيدرالية الواسعة، والكونفدرالية، بل وحتى تقسيم البلاد إلى كيانات عرقية أو جغرافية مستقلة.
هذه الطروحات، وفق التقرير الأمريكي، تمثل إغراءً سياسيًا خطيرًا لبعض دوائر صنع القرار في واشنطن، لكنها تحمل في طياتها مخاطر تفجير صراعات ممتدة قد تستمر لعقود.
الخط الأحمر الأول: رفض تفكيك إيران
أول ما شدد عليه التقرير هو ضرورة أن تعلن الولايات المتحدة بوضوح أنها لا تسعى إلى إعادة رسم حدود إيران أو تقسيمها إلى «فسيفساء من الدويلات».
ففي ظل حالة التوتر التي أعقبت مقتل خامنئي، فإن أي إشارة أمريكية – ولو ضمنية – لدعم تفكيك البلاد، ستعزز الرواية التقليدية للنظام الإيراني بأن الغرب يعمل منذ عقود على تمزيق الدولة الإيرانية.
كما أن مثل هذا التوجه قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية لتحويل مناطق إيرانية إلى ساحات نفوذ وصراع بالوكالة.
ويحذر التقرير من أن تفكيك إيران لن يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى موجة حروب حدودية، وصراعات عرقية، واحتمالات تطهير طائفي، بما يهدد أمن المنطقة بأسرها، من الخليج إلى القوقاز.
الخط الأحمر الثاني: لا لدعم «رجل قوي» جديد
أما الخط الأحمر الثاني، فيتعلق برفض دعم شخصية سلطوية جديدة تحل محل المرشد السابق، سواء كان «مرشدًا أعلى» بلباس مختلف، أو جنرالًا عسكريًا يتولى السلطة تحت شعار إنقاذ الدولة.
ويرى التقرير أن استبدال نظام مركزي شديد الصرامة بآخر مماثل لن يغيّر جوهر الأزمة، بل سيعيد إنتاج نموذج الدولة الأمنية التي تتركز فيها السلطة في يد فرد واحد، بينما تُعامل الأقاليم باعتبارها أطرافًا خاضعة للمركز.
كما حذر من أن دعم واشنطن لشخصية استبدادية جديدة سيجعلها شريكة في أي قمع أو فساد مستقبلي، على غرار ما حدث في تجارب سابقة بالمنطقة، ما قد يورطها سياسيًا وأخلاقيًا لسنوات طويلة.
بين الخطين.. ما الذي تفضله واشنطن؟
وفق رؤية التقرير، فإن الخيار الأمثل للولايات المتحدة يتمثل في دعم قيام إيران «موحدة وديمقراطية»، على أن يتولى الإيرانيون أنفسهم تحديد شكل نظامهم السياسي، دون وصاية خارجية.
وقد يعني ذلك دولة موحدة بصلاحيات موسعة، أو نظامًا فيدراليًا حقيقيًا تنتخب فيه المحافظات حكامها وتدير شؤونها المحلية، مع التزام الجميع بدستور وطني موحد، وعلم واحد، وسياسة خارجية واحدة.
التحول المطلوب – بحسب التحليل – ليس في الشكل فقط، بل في توزيع السلطة، بحيث تنتقل من مركز مهيمن إلى مؤسسات محلية قوية تخضع لرقابة قانونية واضحة، بما يضمن التوازن بين الوحدة والاستقلال الذاتي.
ويشير التقرير إلى أن اغتيال خامنئي خلق فراغًا سياسيًا ستسعى قوى إقليمية ودولية لملئه، سواء عبر النفوذ السياسي أو الدعم العسكري أو التحرك الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يرى أن دور واشنطن لا ينبغي أن يكون «تصميم النظام الداخلي» لإيران، بل وضع إطار خارجي يضمن أن تتم عملية التفاوض الداخلي بين الإيرانيين دون تدخلات مدمرة.
ويشمل ذلك:
ردع القوى الإقليمية عن اقتطاع مناطق نفوذ داخل إيران.
دعم عملية سياسية انتقالية شفافة، مثل جمعية تأسيسية منتخبة.
توفير دعم تقني واقتصادي لإجراء استفتاءات أو انتخابات بإشراف دولي موثوق.
لكن مع التأكيد على أن واشنطن يجب أن تكون واضحة في رفضها لأي سيناريو تقسيمي أو سلطوي، دون أن تفرض نموذجًا جاهزًا للحكم.
إيران والمنطقة.. معادلة أمنية معقدة
التحولات في إيران لا تنفصل عن التوازنات الإقليمية الحساسة. فإيران تمثل لاعبًا محوريًا في ملفات عدة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، فضلًا عن برنامجها النووي وعلاقاتها بالقوى الكبرى.
وأي اضطراب داخلي قد ينعكس سريعًا على محيطها، سواء عبر تصاعد نشاط الميليشيات المرتبطة بها، أو عبر تحركات قوى إقليمية تسعى لملء الفراغ.
من هنا، فإن الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية – حتى في ظل انتقال سياسي عميق – يظل عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، وفق ما خلص إليه التقرير.
وتواجه الإدارة الأمريكية اختبارًا دقيقًا بين الرغبة في رؤية تغيير سياسي داخل إيران، وبين مخاطر الانزلاق إلى تدخل مباشر قد يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة.
التجارب السابقة في الشرق الأوسط أظهرت أن إعادة هندسة الأنظمة من الخارج غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، وتفتح أبوابًا لصراعات طويلة الأمد.
لذلك، فإن المعادلة التي يطرحها التقرير تقوم على مبدأين متوازيين:
رفض التقسيم، ورفض دعم استبداد جديد، مع ترك مساحة كافية للإيرانيين لتحديد مستقبلهم السياسي بأنفسهم.
حتى الآن، لا تزال الصورة داخل طهران غير مكتملة، مع استمرار التكهنات حول آلية اختيار القيادة المقبلة، ودور المؤسسات الدستورية، وحجم تأثير الأجهزة الأمنية.
لكن المؤكد أن إيران دخلت مرحلة مفصلية ستحدد شكل الدولة لعقود قادمة، سواء باتجاه إصلاحات عميقة تعيد توزيع السلطة، أو نحو إعادة إنتاج نموذج الحكم المركزي بصيغة مختلفة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو «الخطوط الحمراء» التي طرحها التقرير الأمريكي محاولة لرسم إطار عام للتعامل مع مرحلة ما بعد خامنئي، دون الانزلاق إلى مغامرات سياسية قد تزيد من هشاشة المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستكتفي واشنطن بوضع الحدود العامة، أم أن إغراء إعادة رسم الخريطة سيغلب حسابات الحذر؟.. الإجابة قد تحدد ليس فقط مستقبل إيران، بل ملامح التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.