وسط ضغوط متصاعدة.. بدء الجولة الثالثة من المحادثات الإيرانية – الأمريكية في جنيف
في أجواء إقليمية ودولية مشحونة، انطلقت في مدينة جنيف السويسرية الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في محاولة جديدة لكسر الجمود المستمر منذ سنوات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وتأتي هذه الجولة في ظل حشد عسكري أميركي غير مسبوق في الشرق الأوسط، وتصاعد الخطاب السياسي من الجانبين، ما يمنح هذه المفاوضات حساسية خاصة ويضعها أمام اختبار حاسم: اتفاق طويل الأمد أو تصعيد مفتوح.
دور الوساطة العمانية وتحركات مكثفة في جنيف
تتولى سلطنة عُمان مجدداً دور الوسيط بين طهران وواشنطن، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين وخبرتها الطويلة في إدارة قنوات خلفية بين الخصوم. وعشية بدء تبادل الرسائل بين الوفدين، عقد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لقاءات منفصلة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأميركيين.
وأكدت وزارة الخارجية العُمانية أن اللقاءات ركزت على استعراض المرئيات والمقترحات التي يحملها الجانب الإيراني، إضافة إلى ردود واستفسارات الفريق الأميركي بشأن العناصر الرئيسية للبرنامج النووي الإيراني، والضمانات الفنية والرقابية اللازمة للتوصل إلى اتفاق مستدام. وأشارت مسقط إلى أن النقاشات تجري “بروح بناءة” مع انفتاح غير مسبوق على أفكار جديدة.
الموقف الإيراني: النووي ورفع العقوبات فقط
من جانبها، شددت طهران على أن جدول الأعمال يجب أن يقتصر حصراً على الملف النووي ورفع العقوبات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن المفاوضات ستركز على حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وعلى آلية واضحة وملموسة لرفع العقوبات الأميركية والدولية المفروضة عليها.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تسعى إلى “اتفاق عادل وسريع”، لكنه جدد تمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها لأغراض سلمية. وتعتبر طهران أن هذا الحق مكفول بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي صادقت عليها عام 1970.
وفي السياق ذاته، كرر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لا تسعى إطلاقاً لامتلاك أسلحة نووية، مشيراً إلى فتوى صادرة عن المرشد الإيراني علي خامنئي تحرّم أسلحة الدمار الشامل. ويهدف هذا الخطاب إلى طمأنة المجتمع الدولي وتخفيف حدة الضغوط السياسية المتزايدة.
المطالب الأميركية: اتفاق بلا سقف زمني
في المقابل، تكشف التصريحات الأميركية عن مقاربة أكثر تشدداً. فقد أكد مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترمب أن أي اتفاق مقبل يجب أن يكون دائماً وغير محدد بمدة زمنية، في إشارة إلى الرغبة في تجاوز تجربة الاتفاق النووي السابق لعام 2015، الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018.
وتطالب الولايات المتحدة أيضاً بأن يشمل أي تفاهم مستقبلي قيوداً تتجاوز البرنامج النووي، لتطال برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة. غير أن إيران ترفض توسيع نطاق التفاوض ليشمل هذه الملفات، معتبرة أنها تمس أمنها القومي.
وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في خطاب حديث أنه يفضل الحل الدبلوماسي، لكنه حذر من أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ملمحاً إلى أن الخيارات العسكرية تبقى مطروحة إذا فشلت المحادثات.
حشد عسكري وضغوط ميدانية
تتزامن المفاوضات مع تعزيزات عسكرية أميركية كبيرة في المنطقة، تشمل نشر طائرات مقاتلة ومجموعات هجومية لحاملات طائرات ومدمرات. ويُنظر إلى هذا الانتشار باعتباره ورقة ضغط على طهران لدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية.
وتخشى عواصم إقليمية من أن يؤدي أي فشل في جنيف إلى مواجهة عسكرية مباشرة، خصوصاً بعد ضربات سابقة استهدفت مواقع نووية إيرانية العام الماضي، وما رافقها من تهديدات متبادلة.
كما تصاعدت حدة المواقف الإسرائيلية، إذ شدد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو على ضرورة تفكيك أي قدرة إيرانية على التخصيب، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، مع معالجة البرنامج الصاروخي بشكل كامل.
ملف اليورانيوم المخصب والرقابة الدولية
من أبرز القضايا المطروحة على الطاولة مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، والذي يتجاوز 400 كيلوغرام وفق آخر تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل الضربات الأخيرة. ويعد هذا المستوى من التخصيب قريباً تقنياً من العتبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي، ما يثير قلقاً غربياً واسعاً.
ومن المتوقع أن يجري المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي لقاءات مع الجانبين في جنيف، سعياً لتقريب وجهات النظر بشأن آليات التفتيش والرقابة وضمانات عدم الانحراف عن الاستخدام السلمي.
أزمة داخلية تضغط على طهران
تجري هذه المفاوضات في ظل ضغوط داخلية غير مسبوقة على القيادة الإيرانية. فالاقتصاد يعاني من تضخم مرتفع وتراجع في العملة، نتيجة سنوات من العقوبات. كما شهدت البلاد موجات احتجاج واسعة مطلع العام، رافقتها حملة أمنية عنيفة، وفق تقارير منظمات حقوقية.
ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية تسعى إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عبر اتفاق يفضي إلى رفع تدريجي للعقوبات، بما يسمح بزيادة صادرات النفط واستعادة بعض الاستقرار المالي.
في المقابل، تواجه إدارة ترمب بدورها ضغوطاً داخلية من تيارات متشددة تطالب بموقف صارم من إيران، في وقت يقترب فيه موسم انتخابي جديد.
حرب الظل الاستخباراتية
على خط موازٍ، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تعليمات باللغة الفارسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحث الإيرانيين على التواصل معها بطرق آمنة. وتأتي هذه الخطوة في إطار ما يبدو أنه تصعيد في حرب الظل الاستخباراتية بين البلدين، بالتزامن مع المسار التفاوضي.
وتعكس هذه التحركات حجم التوتر وانعدام الثقة بين الطرفين، حتى في الوقت الذي يجلس فيه ممثلوهما – بشكل غير مباشر – إلى طاولة الحوار.
بين فرصة الاختراق واحتمال الانفجار
تشير المعطيات إلى أن الجولة الثالثة في جنيف تمثل مفترق طرق حقيقياً. فإما أن يتمكن الوسطاء من بلورة أرضية مشتركة تؤسس لاتفاق طويل الأمد بضمانات متبادلة، أو أن تتعثر المفاوضات أمام فجوة المطالب، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري ستكون تداعياته واسعة على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
وفي ظل استمرار تبادل الرسائل عبر الوسيط العُماني، يبقى السؤال الأساسي: هل تنجح الدبلوماسية في انتزاع اتفاق يوازن بين حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، وهواجس الولايات المتحدة وحلفائها من الانتشار النووي؟ أم أن لغة القوة ستغلب في نهاية المطاف على لغة التفاوض؟
الإجابة قد تتضح في الأيام القليلة المقبلة، مع استمرار المحادثات في جنيف تحت أنظار العالم وترقب حذر من العواصم المعنية.