رمضان حول العالم.. طقوس متوارثة تمنح الشهر الكريم نكهته الخاصة
مع بداية شهر رمضان من كل عام، تتجه أنظار المسلمين في مختلف بقاع الأرض نحو السماء مترقبين إعلان بدايته، في مشهد يتكرر لكنه لا يفقد هيبته أو رمزيته.
ورغم أن جوهر الشهر واحد في كل مكان، صيام وقيام وقرآن وصدقات، فإن التفاصيل اليومية تكشف عن ثراء ثقافي كبير يجعل من رمضان تجربة مختلفة من دولة إلى أخرى. فبين آسيا وإفريقيا والجزر البعيدة، تتشكل ملامح خاصة للشهر الكريم، تمتزج فيها الروحانية بالعادات الاجتماعية والموروث الشعبي.
طقوس الاستعداد للشهر الكريم

قبل أن يبدأ الصيام رسميًا، تنشغل كثير من المجتمعات الإسلامية بالتحضير لاستقبال الشهر.
في اليمن، تتحول الأيام الأخيرة من شعبان إلى ورشة عمل واسعة؛ تنظيف شامل للمنازل، طلاء الجدران، شراء أوانٍ جديدة، وتجديد المفروشات. الهدف لا يقتصر على المظهر، بل يعكس استعدادًا نفسيًا وروحيًا لمرحلة مختلفة من العام.
وفي إندونيسيا، يمنح بعض المدارس الطلاب إجازات قصيرة قبل رمضان، ليتهيأوا للصيام ويشاركوا أسرهم أجواء التحضير. كما تنتشر حملات تنظيف المساجد وتزيينها، في تأكيد على أهمية المكان الذي سيحتضن الصلوات والتراويح.

أما في موريتانيا، فتبرز عادة حلق الرؤوس قبل رمضان، كإشارة رمزية إلى التجدد وبدء صفحة جديدة، بينما يضاعف الناس من جلسات تلاوة القرآن استعدادًا لختمه خلال الشهر.
لحظة تحري الهلال.. بين البحر والصحراء

تمثل رؤية الهلال لحظة فارقة في حياة المسلمين، إذ تعلن الانتقال الرسمي إلى أجواء رمضان. في جزر المالديف، يتجمع السكان على الشواطئ مع غروب الشمس لمراقبة الهلال، في مشهد يجمع بين جمال الطبيعة وروحانية اللحظة. البحر الهادئ يصبح شاهدًا على بداية موسم العبادة.
وفي مناطق أخرى، تتخذ الرؤية طابعًا احتفاليًا، حيث تعلن المساجد الخبر عبر مكبرات الصوت، وتنتشر التهاني في الشوارع ووسائل التواصل، لتبدأ مرحلة مختلفة من الإيقاع اليومي.
الإفطار.. مائدة تعكس هوية الشعوب
وعند أذان المغرب، تتجلى أبرز مظاهر الاختلاف بين الدول في مائدة الإفطار. في طاجيكستان، يبدأ الصائمون إفطارهم بكوب من “شيرشاي”، وهو شاي بالحليب والملح، يختلف تمامًا عن المذاق الحلو المعتاد في بقية البلدان. ويُعد هذا المشروب جزءًا أساسيًا من الثقافة الغذائية المحلية.
وفي جزر المالديف، تحتل الأسماك والمأكولات البحرية صدارة المائدة، بحكم الطبيعة الجغرافية للبلاد. أما في نيجيريا، فتتنوع الأطباق بين الحساء الحار والأطعمة المحلية المصنوعة من الحبوب، مع حضور واضح للمشاركة الجماعية في الطعام.
وفي تايلاند، خاصة في الجنوب ذي الأغلبية المسلمة، تتبادل النساء الأطباق المنزلية قبل الإفطار، فتتحول المائدة إلى مساحة للتعارف والتواصل الاجتماعي، وليس مجرد مناسبة لتناول الطعام.
الاحتفاء بالأطفال والصائمين الجدد
يحظى الأطفال باهتمام خاص خلال رمضان في عدد من الدول. في باكستان، يُعتبر صيام الطفل لأول مرة حدثًا عائليًا مهمًا. ترتدي الفتيات أغطية رأس مزخرفة، ويحصل الصبية على ملابس جديدة، وتُقام تجمعات صغيرة احتفالًا بهذه الخطوة. الهدف هو تشجيعهم وتعزيز ارتباطهم بالشعيرة.
وفي الشيشان، يُطلق على المولودين في رمضان أسماء مرتبطة بالشهر الكريم، في إشارة إلى البركة والتفاؤل. كما يحرص الناس على زيارة قبور أقاربهم في بداية الشهر، ليجمعوا بين ذكرى الراحلين وفرحة قدوم رمضان.
التكافل الاجتماعي.. روح رمضان الحقيقية
يبقى التكافل القاسم المشترك الأكبر بين المجتمعات الإسلامية. في نيجيريا، تتنافس العائلات الميسورة على استضافة الفقراء يوميًا على موائد الإفطار.
ولا يقتصر الأمر على تقديم الطعام، بل يمتد ليشمل الدعاء المشترك وتبادل الأحاديث، ما يعزز الشعور بالانتماء.
وفي اليمن، تنتشر موائد الإفطار الجماعية في الشوارع، حيث يجلس الناس جنبًا إلى جنب دون تمييز. هذه الموائد تعكس مفهوم المساواة الذي يرسخه الصيام، إذ يجتمع الجميع حول لقمة واحدة في توقيت واحد.
أما في بنغلاديش وسريلانكا، فتُقام معارض كتب دينية بأسعار مخفضة، تشجع على القراءة وتعميق الفهم الديني، إلى جانب توزيع وجبات إفطار قرب المساجد لتسهيل الأمر على المصلين.
رمضان بين التراث والحداثة
ومع تطور وسائل الإعلام وانتشار التكنولوجيا، تغيرت بعض مظاهر الشهر، لكن العادات الأساسية بقيت حاضرة، أصبح الإعلان عن موعد الإفطار يتم عبر التطبيقات والهواتف الذكية، غير أن كثيرًا من المجتمعات ما زالت تحرص على الحفاظ على طقوسها التقليدية، باعتبارها جزءًا من الهوية.
وفي بعض الدول، تُنقل الصلوات مباشرة عبر التلفزيون، ويشارك الملايين في متابعة الدروس الدينية عبر الإنترنت. ورغم هذا التطور، تبقى التجمعات العائلية والزيارات الميدانية عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
إن تأمل عادات رمضان حول العالم يكشف عن لوحة فسيفسائية واسعة، تتداخل فيها اللغات والأزياء والأطعمة، لكن يجمعها هدف واحد. فالصائم في إندونيسيا، والآخر في نيجيريا، وثالث في الشيشان، جميعهم يعيشون التجربة ذاتها من الجوع والعطش والصبر، وينتظرون اللحظة نفسها عند غروب الشمس.
وهذا التنوع لا يعكس اختلافًا في الجوهر، بل ثراءً ثقافيًا يعزز من جمال التجربة الرمضانية. فكل شعب يضيف لمساته الخاصة، دون أن يبتعد عن الأساس الديني المشترك.
وفي النهاية، يظل رمضان أكثر من مجرد شهر في التقويم الهجري. إنه موسم تتجدد فيه القيم، وتتعزز الروابط الأسرية، ويُعاد فيه ترتيب الأولويات.
من زيارة القبور في الشيشان، إلى طبول إندونيسيا، وموائد نيجيريا المفتوحة، ومشاهد الهلال فوق شواطئ المالديف، تتجسد صورة عالم إسلامي متنوع لكنه متماسك.
وهكذا، يبقى الشهر الكريم مساحة سنوية لإعادة اكتشاف الذات، وتعميق الإيمان، والاحتفاء بالتراث.
وبينما تتغير الأزمنة وتتبدل الوسائل، تظل روح رمضان ثابتة، قادرة على جمع ملايين البشر تحت مظلة واحدة من الرحمة والمغفرة والأمل المتجدد.