مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

عادات قديمة واختفت اليوم.. رمضان في العراق من الماضي إلى الحاضر

نشر
الأمصار

يُعد شهر رمضان في العراق حدثًا دينيًا واجتماعيًا هامًا، يتسم بالعبادة والصيام وقيام الليل، ويجمع بين الروحانية والتراث الشعبي، حين يحلّ شهر رمضان على العراق، لا يأتي كضيف عابر، بل كذاكرة حيّة تمتد من أزقة بغداد القديمة إلى بيوت الموصل ودفء ليالي إربيل.

شهرٌ تتلاقى فيه الروح مع التاريخ، وتختلط فيه العبادة بعاداتٍ صمدت أمام تقلبات الزمن. في رمضان العراقي، لا يقتصر الصيام على الامتناع عن الطعام، بل يصبح أسلوب حياةٍ يوميًّا، تُحييه موائد الإفطار الجماعية، وتنعشه الألعاب الشعبية، وتظله قيم التكافل والصبر. 

هنا، يتحول الشهر الكريم إلى مساحة إنسانية جامعة، تعيد رسم ملامح المجتمع، وتُذكّر العراقيين، عامًا بعد عام، بأن رمضان هو شهر الإيمان… وشهر التماسك والهوية.

عندما يحلّ رمضان على العراق، تتحول المدن والقرى إلى لوحات حية من الروحانية والتراث. في الأزقة القديمة لــ بغداد تتردد خطوات المسحراتي، وتتناثر الروائح الزكية للشوربة والدولمة من بيوت الجيران. الأطفال يمرحون في لعب الماجينا والمحيبس، والكبار يتجاذبون أطراف الحديث بعد صلاة التراويح. رمضان هنا ليس مجرد صيام، بل هو نبض مجتمع كامل، يذكر العراقيين بتاريخهم العريق، ويجدد فيهم روح التكافل، المحبة، والاحتفال بالهوية رغم تقلبات الزمان

يُعد شهر رمضان في العراق أكثر من مجرد شهر صيام وعبادة، فهو تجربة ثقافية واجتماعية وروحية متجذرة في تاريخ العراق العريق، ويعكس هوية المجتمع العراقي وتقاليده العريقة. يمتاز رمضان العراقي بأنه يجمع بين الطابع الديني الصرف وبين العادات التراثية التي تعكس الحياة الاجتماعية للمجتمع عبر العصور.

شهر رمضان في العراق من الماضي إلى الحاضر

رمضان قديماً في العراق.. روحانية وتعبد

في الماضي، كان رمضان في العراق يعيش على وتيرة بسيطة وطقوس متجذرة في الحياة اليومية. كان المسحراتي يجوب الأزقة قبل الفجر، يحمل الطبل أو الدف، ليوقظ الناس للسحور. هذه العادة لم تكن مجرد تقليد، بل رمز للترابط بين الأحياء والتواصل الاجتماعي، حيث كانت مشاركة الطعام في السحور بين الجيران أمرًا شائعًا.

عادات رمضان في العراق قديمًا واختفت اليوم

- المسحراتي التقليدي

في الماضي، كان المسحراتي أحد أهم الرموز الرمضانية في المدن العراقية مثل بغداد والموصل والكوفة.
يجوب الأزقة والطرقات قبل الفجر، يحمل الطبل أو الدف، ويوقظ الناس للسحور.
كان يتلقى مكافآت بسيطة من الأهالي مثل التمر أو الحبوب أو النقود.

اليوم: لا يزال موجودًا في بعض الأحياء القديمة، لكنه رمزي أكثر منه ممارسة يومية، والكثير من الناس يعتمدون على المنبهات الحديثة للسحور.

- الحكواتي بعد الإفطار

الحكواتي أو راوي القصص كان جزءًا من الحياة الليلية الرمضانية:
يجتمع الأطفال والكبار حوله لسماع الحكايات والأساطير الشعبية، التي تحمل دروسًا وعبرًا تاريخية.

اليوم: اختفت هذه العادة تقريبًا، وحلت مكانها برامج التلفزيون، والإنترنت، وسوشيال ميديا التي تنقل القصص والفنون بطريقة رقمية.

- الألعاب الشعبية الرمضانية

أشهرها المحيبس والماجينا:
ألعاب جماعية تقام بعد الإفطار في الأزقة والساحات، تجمع الأطفال والكبار في منافسات ودية بين الأحياء.
كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية الرمضانية، ووسيلة لتقوية الروابط بين سكان الحي.
اليوم: هذه الألعاب أصبحت نادرة وتقام فقط في المهرجانات الرسمية أو المناسبات التراثية، بسبب قلة المساحات المفتوحة والتحضر وانتشار التكنولوجيا.

- الماجينا (الكَرْجَعان)
كان الأطفال يخرجون ليطرقوا أبواب الجيران مرددين الأهازيج الرمضانية، ويتلقون مكافآت من الحلويات أو التمر.
اليوم: اختفت هذه العادة تقريبًا، واستبدلت بأنشطة مدرسية أو حملات اجتماعية رمضانية للأطفال.

- الأسواق التقليدية الليلية
قبل الإفطار وبعده، كانت الشوارع تتحول إلى أسواق صغيرة يبيع فيها الأهالي التمر، المكسرات، الحلوى، البهارات، والفواكه.
كانت فرصة للالتقاء والتواصل الاجتماعي، وتبادل الأخبار بين الجيران.

اليوم: الأسواق الحديثة ومراكز التسوق الكبرى حلت مكانها، والأسلوب التقليدي للأزقة والأسواق الرمضانية أصبح قليلاً أو مقتصرًا على بعض المدن القديمة.

- جمع الإفطار مع الجيران الفقراء

في الماضي، كان من المعتاد أن تدعو العائلات الجيران والفقراء لتناول الإفطار معهم، كجزء من التكافل الاجتماعي.
اليوم: استمر التكافل الاجتماعي لكنه أصبح مؤسسيًا أكثر، من خلال موائد الإفطار في المساجد والمنظمات الخيرية، وليس على مستوى التواصل اليومي في الحي.

رمضان اليوم في العراق: مزيج بين التراث والحداثة

مع مرور الوقت، أصبح رمضان في العراق مزيجًا بين التقليد والحداثة، مع الحفاظ على بعض العادات التراثية ولكن بشكل رمزي أو محدود. المسحراتي لا يزال موجودًا في بعض الأحياء، لكنه أصبح رمزًا تراثيًا أكثر منه ممارسة يومية. الألعاب الشعبية التقليدية، مثل المحيبس والماجينا، تقل حضورها في الحياة اليومية، وغالبًا ما تُمارس خلال المهرجانات أو الفعاليات الرمضانية الرسمية.

وسائل الإعلام الحديثة والتكنولوجيا لعبت دورًا كبيرًا في تغيير شكل رمضان، حيث أصبح الناس يتابعون برامج دينية ومسابقات رمضانية، ويستفيدون من السوشيال ميديا في الاطلاع على وصفات الطبخ الشعبية والمأكولات الجديدة. الأسواق اليوم مزيج بين القديم والحديث، ففي الوقت الذي تجد فيه التمر والحلويات التقليدية، هناك مراكز تسوق تعرض الأطعمة العالمية والمنتجات الفاخرة.

موائد الإفطار الجماعية، التي كانت تقام في المساجد والحسينيات، توسعت لتشمل الفقراء والنازحين واللاجئين، ما يعكس روح التكافل الاجتماعي والتضامن بين العراقيين. أما وجبات الإفطار فصارت أكثر تنوعًا، مع مزج الأطعمة التقليدية بالعصرية، وتزيين المائدة بطريقة احتفالية تجذب جميع أفراد الأسرة.

على الرغم من هذه التغيرات، ما زال الجوهر الروحي والاجتماعي للشهر محفوظًا، حيث يحافظ العراقيون على التواصل العائلي، الروابط المجتمعية، والأنشطة الخيرية، لتبقى روح رمضان حاضرة بقوة في المدن والقرى على حد سواء.