مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

4 تحولات وأخطاء استراتيجية في حرب أوكرانيا

نشر
الأمصار

منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية قبل نحو أربع سنوات، تحولت أوكرانيا إلى ساحة اختبار فريدة للتكتيكات والأسلحة الحديثة، ما جعلها حالة دراسية عالمية لدراسة طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين. 

ويظهر الصراع بين روسيا وأوكرانيا المدعومة غربيًا، وفق موقع ريسپونسبل ستيت كرافت، كمختبر عملي يعيد صياغة مفاهيم الهجوم والدفاع ويكشف عن أخطاء استراتيجية وتحولات تكتيكية غير مسبوقة.


توازن قوى غير تقليدي


بخلاف الحروب غير المتكافئة، مثل الغزو الأمريكي للعراق وبنما، تواجه موسكو خصمًا يمتلك تسليحًا متقدمًا، ودعمًا استخباراتيًا من الدول الغربية، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من القوات المسلحة. 

هذا التوازن النسبي منح الحرب قيمة تحليلية كبيرة، وجعل دروسها قابلة للتطبيق على صراعات محتملة مستقبلًا، خصوصًا مع تجارب استخدام الأسلحة الجديدة والروبوتات والطائرات المسيّرة.


خطأ استراتيجي روسي مبكر


أحد أبرز الأخطاء التي ارتكبتها روسيا كان التقدير الخاطئ لقوة الدولة الأوكرانية وصلابتها. فقد اعتقدت القيادة الروسية، بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد يفر أو يستسلم سريعًا، وأن سقوط كييف سيكون مسألة أيام فقط، دون وضع خطة بديلة قابلة للتنفيذ في حال فشل الهجوم الخاطف.


هذا الخطأ لم يكن سياسيًا فقط، بل امتد إلى التخطيط العسكري، حيث نشرت روسيا قوات أقل من المطلوب، وقسّمتها على ستة محاور رئيسية، ما أدى إلى تشتيت الجهد والموارد.

 ونتيجة لذلك، لم تتمكن موسكو من إسقاط الحكومة الأوكرانية أو السيطرة على العاصمة، واكتفت بتحقيق هدف واحد استراتيجي، وهو إنشاء ممر بري يربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم.


صواريخ محمولة وتراجع أسطورة المدرعات
مع انطلاق العمليات العسكرية، برز تحول نوعي في أساليب القتال، إذ نجحت الصواريخ المحمولة المضادة للدبابات والطائرات الأوكرانية في تحييد منظومة روسية متكاملة، كانت تعتمد على تنسيق دبابات ومروحيات وطائرات هجومية في عمليات الاختراق العميق.


هذا التحول ألقى الضوء على قدرة الدفاع على مواجهة الهجوم المدرع المكثف، وأظهر محدودية الاعتماد على القوة النارية التقليدية في مواجهة أسلحة منخفضة التكلفة، لكنها فعالة، مثل الصواريخ المحمولة. وقد شكّل هذا درسًا مهمًا للقيادات العسكرية في كل من روسيا وأوكرانيا والدول الغربية، حول إعادة تقييم استراتيجيات الهجوم والدفاع.


ثورة المسيّرات


أحد أبرز التحولات في الحرب هو الانتشار المكثف للطائرات المسيّرة، التي أحدثت تغييرًا جذريًا في ميدان القتال. 

 سمحت المسيّرات بخلق منطقة عازلة بعرض يتجاوز 25 كيلومترًا، حيث تصبح أي حركة مرئية سواء للأفراد أو الآليات، هدفًا شبه مؤكد.


كما أنها غيّرت من طبيعة التحصينات التقليدية، فالقوات المختبئة في الخنادق يمكن رصدها وملاحقتها فردًا فردًا، فيما أصبح إزالة الألغام مهمة شبه مستحيلة تحت المراقبة الجوية المستمرة.

 وقد دفع هذا التغيير الجيش الروسي إلى تقسيم وحداته الهجومية إلى مجموعات صغيرة، غالبًا تتكون من شخصين أو ثلاثة، ما أثر سلبًا على القدرة المعنوية والانضباط القتالي، وأدى إلى صعوبة تحقيق اختراقات واسعة وتحويل الجبهة إلى حالة من الجمود الدموي الطويل الأمد.


دور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية


إلى جانب المسيّرات، كان للاستخبارات ودور الأقمار الصناعية تأثير كبير على سير المعارك. إذ مكنت صور الأقمار الصناعية، خصوصًا تلك التي قدمتها الدول الغربية لأوكرانيا، القوات الأوكرانية من رصد حشود القوات الروسية قبل أي هجوم محتمل، وهو ما ساهم في إحباط الهجمات المضادة الروسية والأوكرانية على حد سواء.


ويتميز الاعتماد على الأقمار الصناعية عن أساليب الاستطلاع التقليدية، مثل طائرات الاستطلاع في الحرب العالمية الأولى، بأنها بعيدة عن الاستهداف المباشر، ما يمنح ميزة دفاعية مستدامة للطرف الأوكراني، ويتيح التخطيط التكتيكي على مستوى دقيق للغاية.


نحو حروب مستقبلية بالروبوتات
في مواجهة الجمود الدموي، يشير خبراء عسكريون إلى أن المرحلة التالية في الحرب قد تتضمن إدخال روبوتات هجومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على التقدم دون التأثر بالاعتبارات النفسية التي تعيق الجنود البشر.

 ورغم أن تطوير مثل هذه المنظومات سيستغرق سنوات، فإن استخدامها المحتمل قد يعيد تشكيل مفهوم الحرب الحديثة بالكامل.


دروس استراتيجية


تجربة الحرب الروسية-الأوكرانية تكشف عن أربع أخطاء رئيسية ارتكبتها موسكو:
التقدير الخاطئ لصلابة الدولة الأوكرانية.
الاعتماد على قوة نارية تقليدية دون مرونة تكتيكية.
توزيع القوات على محاور متعددة أدى إلى تشتت الجهود.


التقليل من تأثير الطائرات المسيّرة والاستخبارات الحديثة في الحروب الحديثة.


وبالمقابل، سجلت أربع تحولات تكتيكية أثرت على موازين القوى:


نجاح الدفاع باستخدام صواريخ محمولة منخفضة التكلفة ضد المدرعات الثقيلة.
الانتشار المكثف للطائرات المسيّرة وتحويل ساحة المعركة إلى منطقة مراقبة مستمرة.
الاعتماد على الأقمار الصناعية لدعم التخطيط العسكري والمعلومات الاستخباراتية.


إمكانية تطوير روبوتات هجومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمواجهة الجمود الدموي في المستقبل.


انعكاس الحرب على الساحة الدولية


هذه الحرب لا تؤثر فقط على أوكرانيا وروسيا، بل لها تداعيات على الناتو والدول الغربية التي تقدم الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، كما تطرح تساؤلات حول مستقبل تكتيكات الحروب الحديثة والتقنيات العسكرية الجديدة. 

فالتجربة الأوكرانية قد تشكل نموذجًا لدراسة الصراعات المستقبلية، خاصة فيما يتعلق بدور الطائرات المسيّرة، والاستخبارات، والأسلحة منخفضة التكلفة في مواجهة القوى التقليدية الثقيلة.
 


مع مرور أربع سنوات على الحرب الروسية-الأوكرانية، يبرز أن هذه الأزمة أصبحت أكثر من مجرد صراع إقليمي، فهي مختبر استراتيجي لتطوير التكتيكات العسكرية والأسلحة الحديثة، وكشف الأخطاء الاستراتيجية الكبرى، وأظهرت تحولات تكتيكية يمكن أن تعيد تعريف طبيعة الحروب في المستقبل.