بالفيديوجراف| المسحراتي في مصر.. حكاية مهنة رمضانية عمرها قرون
يُعد “المسحراتي” أحد أبرز رموز شهر رمضان في مصر، حيث يجوب الشوارع قبل أذان الفجر لإيقاظ الناس لتناول وجبة السحور، في مشهد ارتبط بالذاكرة الشعبية والوجدان الرمضاني عبر قرون طويلة.
وتقوم مهمة المسحراتي على قرع الطبلة أو الدف، مرددًا الأناشيد الدينية والعبارات الشعبية المحببة التي اعتاد الناس سماعها كل عام، مثل: “يا نايم وحد الدايم” و“اصحى يا نايم وحد الله”، في تقليد يعكس روح البهجة والتكافل في الأحياء الشعبية.
وتُعرف المهنة بأنها “مهنة الثلاثين يومًا”، إذ ترتبط بشهر رمضان فقط، وتنتهي بانتهاء أيامه. وتشير روايات شعبية إلى أن جذور هذه العادة تعود إلى العصر النبوي، حين كان الصحابي بلال بن رباح يؤذن لإيقاظ المسلمين للسحور، ثم يؤذن عبدالله بن أم مكتوم مع اقتراب الفجر، في تنظيم مبكر لموعد السحور والإمساك.

ومع مرور الزمن، تطور الشكل التقليدي للمسحراتي خلال العصرين العباسي والفاطمي، حيث جرى تعيين أشخاص مخصصين لإيقاظ الناس. وظهرت المهنة في مصر بشكل واضح خلال العصر الفاطمي، خاصة في عهد الحاكم بأمر الله، حين كان الجنود يجوبون الشوارع لإيقاظ الأهالي مستخدمين الطبول بدلًا من طرق الأبواب.
وتذكر بعض المصادر أن الوالي عتبة بن إسحاق يُعد من أوائل من مارسوا المهنة بشكل منظم عام 832 هجريًا، إذ كان يسير بنفسه ليلًا مناديًا: “يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”.
وفي عصر المماليك، ازدهرت المهنة أكثر مع ظهور شخصية “ابن نقطة”، شيخ طائفة المسحراتية، الذي نظم عملهم وأشرف على انتشارهم في الأحياء. وكان المسحراتية يستخدمون طبلة تُعرف باسم “بازة”، يدقون عليها بنغمات قوية تكفي لإيقاظ شارع كامل.
قديمًا، كان أجر المسحراتي يُدفع عينًا، كالحبوب أو جزء من المحاصيل الزراعية أو بعض المأكولات، وفق قدرة أهل الحي، في صورة تعكس الترابط المجتمعي وروح العطاء خلال الشهر الكريم.
ومع تطور التكنولوجيا وظهور المنبهات والهواتف المحمولة، تراجعت الحاجة العملية للمسحراتي، واقتربت المهنة من الاندثار. ورغم ذلك، لا يزال المسحراتي حاضرًا في بعض شوارع مصر، خاصة في الأحياء الشعبية والقرى، محافظًا على طابع رمضاني أصيل يربط الماضي بالحاضر، ويجسد واحدة من أقدم المهن الموسمية في التاريخ الإسلامي.