جزيرة الأسرار المظلمة..كيف تحولت «ليتل سانت جيمس» من واحة فاخرة لرمز لفضائح إبستين؟
في قلب البحر الكاريبي، وعلى مسافة قصيرة من سواحل سانت توماس التابعة لجزر العذراء الأمريكية، تقبع جزيرة صغيرة تحولت خلال سنوات قليلة إلى عنوان صادم في سجلات الجرائم الجنسية والاتجار بالبشر.
إنها جزيرة «ليتل سانت جيمس»، التي ارتبط اسمها برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، لتصبح رمزًا للنفوذ الغامض والجرائم التي حيّرت الرأي العام العالمي.
الجزيرة، التي تبلغ مساحتها نحو 72 فدانًا، بدت للوهلة الأولى كملاذ فاخر للأثرياء؛ فيلات فخمة، مهبط طائرات مروحية، وموقع منعزل يوفر أعلى درجات الخصوصية.
غير أن ما كُشف لاحقًا رسم صورة مختلفة تمامًا، إذ تحولت تلك البقعة الهادئة إلى مسرح لاتهامات خطيرة تتعلق باستغلال قاصرات وتهريب ضحايا عبر شبكة علاقات معقدة.
من هو جيفري إبستين؟
لم يكن إبستين مجرد رجل أعمال ثري، بل شخصية مثيرة للجدل نسجت حولها الشبهات لسنوات.
ففي عام 2008، أقر بالذنب في تهم تتعلق بطلب الدعارة من قاصر في ولاية فلوريدا، في قضية أثارت انتقادات واسعة بسبب اتفاق قضائي وُصف آنذاك بالمخفف.

قضى بموجبه 13 شهرًا في السجن ضمن نظام يسمح له بالخروج للعمل، كما سُجل كمجرم جنسي.
لكن تلك الإدانة لم تُنهِ مسيرته المثيرة للريبة، ففي عام 2019، أُلقي القبض عليه مجددًا بتهم فيدرالية تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرات والتآمر.
وقبل أن تبدأ محاكمته، عُثر عليه متوفى داخل زنزانته في نيويورك، في حادثة سُجلت رسميًا على أنها انتحار، لكنها فجّرت موجة من نظريات الجدل والتشكيك حول ملابسات وفاته.
الجزيرة.. ملاذ مغلق بإحكام
بحسب شهادات ووثائق قضائية، استُخدمت جزيرة «ليتل سانت جيمس» كموقع رئيسي لاستقبال فتيات قاصرات جرى نقلهن عبر طائرات خاصة أو قوارب من سانت توماس.

وأفادت المدعية العامة السابقة لجزر العذراء الأمريكية، دينيس جورج، بأن إبستين أحاط الجزيرة بإجراءات أمنية مشددة، ومنع دخول المسؤولين المحليين بحجة أن المرسى يمثل “المدخل الأمامي” لملكية خاصة لا يحق لأحد اقتحامها دون إذن.
وذكرت شهادات أن بعض الضحايا حاولن الهرب، بل إن إحداهن لجأت إلى السباحة بعيدًا عن الجزيرة، في محاولة يائسة للإفلات من السيطرة المحكمة المفروضة على المكان.
كما تحدث موظفون محليون عن سمعة سوداء أحاطت بالجزيرة، التي أطلق عليها البعض لقبًا صادمًا يعكس طبيعة الاتهامات المرتبطة بها.
«لوليتا إكسبريس» وشبكة العلاقات
أظهرت سجلات رحلات الطيران أن إبستين كان يستخدم طائرة خاصة عُرفت إعلاميًا باسم “لوليتا إكسبريس” لنقل ضيوفه، بينهم شخصيات بارزة من عالم السياسة والأعمال والفن.
غير أن الوثائق التي كُشف عنها لم تقدم دائمًا صورة كاملة عن طبيعة العلاقات أو مدى تورط أي من الأسماء الواردة في السجلات.

هذه الشبكة الواسعة من العلاقات أثارت تساؤلات حول كيفية تمكن إبستين من مواصلة نشاطاته رغم الشبهات التي لاحقته، وحول الدور الذي لعبه نفوذه المالي في تأمين الحماية أو الصمت لفترة طويلة.
صفقات قضائية وجدل مستمر
قبل وفاته، أبرم إبستين اتفاقات قانونية أثارت انتقادات حادة، إذ رأى كثيرون أنها لم تعكس خطورة الجرائم المنسوبة إليه. واعتُبرت تلك الصفقات مثالًا على ما وُصف بازدواجية العدالة حين يتعلق الأمر بالأثرياء وأصحاب النفوذ.
ومع نشر وثائق جديدة في السنوات الأخيرة، تجددت الدعوات لمراجعة ملابسات التحقيقات السابقة، وكشف كل الأسماء والوقائع المرتبطة بالقضية، في محاولة لضمان الشفافية وتحقيق العدالة للضحايا.
مصير الجزيرة بعد الفضيحة
في تطور لافت، أعلنت مجلة «فوربس» أن الملياردير الأمريكي ستيفن ديكوف اشترى جزيرتي «ليتل سانت جيمس» و«جريت سانت جيمس» مقابل نحو 60 مليون دولار.
ويخطط لتحويلهما إلى منتجع سياحي فاخر من فئة خمس نجوم، يضم عشرات الغرف ومرافق ترفيهية حديثة.

هذه الخطوة أثارت بدورها جدلًا أخلاقيًا واسعًا: هل يمكن لمكان ارتبط بجرائم مروعة أن يتحول ببساطة إلى وجهة سياحية فاخرة؟
وهل يكفي تغيير الملكية لإغلاق صفحة الماضي، أم أن الذاكرة الجماعية ستظل تلاحق الموقع مهما تبدلت معالمه؟
بين الذاكرة والمساءلة
قضية إبستين وجزيرته لم تعد مجرد ملف جنائي، بل تحولت إلى رمز أوسع لقضايا الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، وللسؤال الدائم حول حدود النفوذ والسلطة.
فالوثائق والشهادات التي تكشفت تباعًا أكدت أن الجزيرة لم تكن مجرد عقار خاص، بل مركزًا لأنشطة إجرامية مزعومة امتدت لسنوات.
ومع استمرار الكشف عن تفاصيل جديدة، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو ضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، بحيث لا يتحول المال والنفوذ إلى درع يحمي الجريمة.
هكذا، تظل «ليتل سانت جيمس» شاهدًا على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقود الأخيرة، حيث تداخلت السلطة بالمال، والسرية بالاستغلال، في قصة ما زالت فصولها تتكشف حتى اليوم.

