مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

أحمد محمود عجاج يكتب: «مؤتمر ميونيخ... عوالم متناطحة»

نشر
أحمد محمود عجاج
أحمد محمود عجاج

ترمب لم يغير أوروبا بل العالم كله، وفي مؤتمر ميونيخ اعترفَ المستشار الألماني بأنَّ النظامَ العالمي الليبرالي انتهى، واقترح الرئيس الفرنسي نشر مظلة بلاده النووية لحماية أوروبا، ودعا رئيس وزراء بريطانيا لتوحيد الصناعات والاستعداد للحرب، مؤكداً أنَّ «بريكست» أصبح وراء ظهره؛ هذا التحرك الأوروبي لم يكن ليتحقق لولا تهديدات ترمب، ثم نقد نائبه فانس لقادة أوروبا، بمؤتمر ميونيخ، العام الماضي، لتساهلهم بالهجرة، وتراخيهم في دفاعاتهم، واعتماد ثقافة الـ«ووك» المدمرة. هذا العام، سمع قادة أوروبا في ميونيخ خطاباً تصالحياً من وزير الخارجية الأميركي روبيو عندما ذكرهم بجذور العلاقة الثقافية بين أوروبا وأميركا، معلناً أن أميركا ستبقى مربوطة بأوروبا للأبد، لكن عليها أن تستفيق وتساير التغيرات في أميركا والنظام العالمي الذي لم تعد أميركا مهتمة ببقائه. روبيو وفانس قدَّما حبة الدواء نفسها، لكن الأولى مغلَّفة بالسكر والأخرى طعمها مر. ورغم انشراح قادة أوروبا بتأكيدات روبيو حول العلاقة التاريخية الحضارية مع أوروبا، فإن التضارب بالرؤى كان جلياً كالشمس، وكذلك مخاطر الافتراق؛ لأنهما ينظران للعالم بعيون مختلفة؛ والخلاف ليس عرضياً بل جوهري، ويمكن حصره بثلاثة امور: القيم الأوروبية، والعالم المأمول، وبناء منظومة دفاعية أوروبية.

أولاً، التباين في القيم لم تردمه كلمات روبيو الدبلوماسية؛ لأن قيم أميركا كما يقول المستشار الألماني لم تعد مشابهة لقيم أوروبا؛ فحق التعبير برأيه «يتوقف» عندما يستهدف كرامة الإنسان والدستور». وهذا رفض واضح لممارسة أميركا بحق اللاجئين، وحقوق الإنسان. وهذا غمز من طرف خفي ضد أجندة أميركا الأخلاقية، ونقد للتدخل الأميركي بدعم أحزاب وجماعات اليمين الأوروبي المتطرف المعادي للأجانب في أوروبا.

ثانياً، تدرك أوروبا أن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية انتهى، وأن أميركا تخلت عنه، وانصرفت لترتيب بيتها الداخلي، ثم تحالفاتها الخارجية. ترتيب البيت الأميركي بتقليل الدَّين العام، ووقف الهجرة، واستعادة المصانع لتشغيل اليد العاملة الأميركية، ومحاربة ثقافة «ووك». وقد قطعت إدارة ترمب شوطاً كبيراً في هذا المسار؛ خارجياً حيث فرضت رسوماً جمركية، واستخدمت قوتها الاقتصادية لعقد اتفاقيات تجارية غير عادلة، وأعادت العمل بنظرية «مونرو»، وعاقت صعود الصين كمنافس لها بكل الطرق؛ هذا الواقع ولَّد عالماً خطراً، تدرك أوروبا أنه ليس العالم المأمول، لكنها ماضية لحجز مكان فيه لضمان مصالحها، وإظهار قيمها، والترويج للتجارة الحرة، دونما الانجرار إلى الصين أو أميركا.

ثالثاً، لتحقيق العالم المأمول لا بد من بناء منظومة دفاعية مستقلة تضمن لأوروبا حماية حدودها، ومصالحها التجارية ودورها المؤثر في العالم الجديد. وثمة إجماع في أوروبا على بناء منظومة أمنية أوروبية؛ فبريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي، أعلن رئيس وزرائها ستارمر في ميونيخ أن «بريكست» أصبحت وراء ظهره، وأن على أوروبا أن توحد صناعاتها الدفاعية، وأن تستعد للحرب من أجل السلام. وتمكَّنت دول أوروبا وإن ببطء من دعم أوكرانيا في حربها، وبدأوا ينتجون أسلحة بسرعة، ويدرسون أسس التعاون الدفاعي، والاستعاضة عن المظلة النووية الأميركية والاستعانة بأوروبية؛ فالأوروبيون يعون تماماً مخاطر الضعف؛ ولذلك لا خيار لهم سوى أن يكونوا أقوياء.

هذا التضارب في الرؤى لا يؤشر إلى طلاق بائن مع أميركا، بل يؤشر إلى اعتماد سياسة التعامل بالقطعة مع أميركا. هذا التعامل يتطلب البقاء في «الناتو»، وتمتين المصالح المشتركة مع أميركا، لكن عند الاختلاف تنتهج أوروبا سياسة مغايرة دونما ارتهان لأميركا. هذا التوجه شجعه ترمب؛ لأنه يصب في صالحه، وهو قادر على إعادة توجيهه بما يملكه من أدوات ضغط داخلية وخارجية داخل الاتحاد الأوروبي؛ ففي الداخل الأوروبي تؤيده أحزاب يمينية علانية، وتتزايد شعبيتها، وربما تصل للسلطة، ويوجد أيضاً قادة مثل زعيم المجر أوربان لا يخفون أبداً السير وراءه، وهم قادرون على تعطيل أي قرارات يتخذها الاتحاد الأوروبي؛ لكونها تحتاج إلى الإجماع. وهذا ليس الخلل الوحيد، بل ثمة خلل أكبر وهو عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على اعتماد سياسة خارجية ودفاعية موحدة؛ فالدول الأوروبية وتحديداً الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا غير راغبة في التخلي التام عن سيادتها، والاندماج الحقيقي في الكتلة الأوروبية؛ وهذا العجز الأوروبي يتبدى في خلافات بين شراكات دفاع فرنسية وألمانية وإيطالية، وفرض شروط على دخول بريطانيا في المجال الدفاعي، رغم أهميتها للأمن الأوروبي، وأنانية قادة أوروبيين في حصد عقود دفاع تجارية لشراكاتهم.

ما لم تتخط أوروبا مجتمعة تلك العقبات فستبقى أسيرة تناقضاتها، وعاجزة عن تحقيق الاستقلال المطلوب، ولن تهابها روسيا، ولن ترحمها الصين، وسيُرغمها ترمب على الدوران في فلكه، لصياغة نظام عالمي جديد تتسيده أميركا، وتقنع فيه أوروبا مرغمة بدور التابع.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط