مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

روبوتات أكثر.. استراتيجية الصين لمواجهة المستقبل

نشر
الأمصار

تشهد آسيا تحولات عميقة ومتزامنة تمسّ البنية الديموغرافية والاقتصادية والسياسية، في مشهد يعكس مرحلة انتقالية كبرى في موازين القوى الإقليمية والدولية. 

فمن جهة، تواجه الصين تحدياً سكانياً غير مسبوق يدفعها إلى تسريع تبني الروبوتات والذكاء الاصطناعي كحل استراتيجي طويل الأمد. 

ومن جهة أخرى، تتكثف التحركات الدبلوماسية بين بكين والعواصم الغربية، بينما تتواصل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على شبه الجزيرة الكورية. في هذا التقرير الموسع، نستعرض أبعاد هذه التطورات وانعكاساتها المستقبلية.

التحول الديموغرافي في الصين: أزمة صامتة

تواجه الصين انخفاضاً حاداً في معدلات المواليد، حيث سجلت البلاد في السنوات الأخيرة أدنى مستويات الإنجاب في تاريخها الحديث. ورغم سلسلة الإجراءات الحكومية التي شملت حوافز مالية وإعفاءات ضريبية وتسهيلات للزواج، فإن النتائج جاءت دون التوقعات.

هذا التراجع يهدد بتقلص القوة العاملة وارتفاع نسبة كبار السن، ما يضع ضغطاً متزايداً على نظام المعاشات والرعاية الصحية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نسبة من تزيد أعمارهم على 60 عاماً قد تتجاوز نصف عدد السكان بحلول نهاية القرن الحالي، وهو تحول غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.

الروبوتات كخيار استراتيجي لمستقبل الاقتصاد

في مواجهة هذه التحديات، تتجه بكين إلى تسريع الاستثمار في الأتمتة والروبوتات. وتُعد الصين بالفعل أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، إذ تضم أكثر من نصف الروبوتات المركبة عالمياً بحلول عام 2024 وفق الاتحاد الدولي للروبوتات.

وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية صناعية أوسع أطلقتها الحكومة عام 2015 تحت شعار صنع في الصين 2025، والتي تستهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي ورفع القيمة المضافة للصناعة الوطنية.

اللافت أن التركيز لم يعد مقتصراً على الأذرع الصناعية التقليدية، بل توسع ليشمل تطوير روبوتات شبيهة بالبشر قادرة على أداء مهام معقدة في المصانع ومراكز الخدمات اللوجيستية وحتى في قطاع الرعاية الصحية. ويجري حالياً تطوير هذه التقنيات في أكثر من 140 شركة صينية بدعم حكومي واسع.

انعكاسات اقتصادية واجتماعية مزدوجة

رغم التفاؤل بإمكانات التكنولوجيا في تعويض نقص العمالة، فإن التحول السريع نحو الأتمتة يحمل تحديات آنية. إذ قد يؤدي إلى فقدان وظائف في قطاعات واسعة، خاصة في التصنيع منخفض المهارات. وتقدّر بعض الدراسات المحلية أن ما يصل إلى 70 في المائة من وظائف قطاع التصنيع قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي والروبوتات خلال العقود المقبلة.

وتواجه الحكومة معادلة دقيقة: كيف يمكن تعزيز الإنتاجية دون زعزعة الاستقرار الاجتماعي؟ فشرعية الحزب الحاكم ارتبطت لعقود بتحقيق نمو اقتصادي متواصل وتوفير فرص العمل. وأي اضطراب واسع في سوق العمل قد ينعكس على الثقة العامة.

الروبوتات ورعاية المسنين

يمثل قطاع رعاية كبار السن مجالاً محورياً في الاستراتيجية الصينية. فإرث سياسة الطفل الواحد خلق جيلاً من الأبناء الوحيدين الذين سيتحملون عبء إعالة آبائهم دون دعم من إخوة. ومن هنا، تسعى السلطات إلى إدماج الروبوتات كمساعدين في تقديم الرعاية المنزلية والطبية على مدار الساعة.

وتشمل الخطط تطوير تقنيات متقدمة مثل الهياكل الخارجية المساعدة على الحركة وواجهات الدماغ والحاسوب، بما يهدف إلى تمكين كبار السن من العيش باستقلالية أطول فترة ممكنة، وتقليل الضغط على أنظمة الضمان الاجتماعي.

تحركات دبلوماسية وسط تنافس دولي

بالتوازي مع التحولات الداخلية، كثفت بكين تحركاتها الدبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع أوروبا وكندا وبريطانيا. 

وقد أعلنت الحكومة الصينية إعفاء مواطني بريطانيا وكندا من تأشيرات الدخول لفترات قصيرة، في خطوة اعتُبرت محاولة لتوسيع التبادل الاقتصادي والشعبي.

وجاءت هذه التطورات في سياق توترات عبر الأطلسي، حيث تسعى بكين إلى تقديم نفسها شريكاً موثوقاً للعواصم الأوروبية. 

وخلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي استعداد بلاده للارتقاء بالشراكات الاستراتيجية إلى «مستوى جديد»، في إشارة إلى رغبة الصين في إعادة تموضعها داخل النظام الدولي.

تايوان والتوتر مع واشنطن

في المقابل، لا تزال قضية تايوان تمثل بؤرة توتر رئيسية بين بكين وواشنطن. فقد حذر مسؤولون صينيون من أن أي محاولة لدعم استقلال الجزيرة قد تقود إلى مواجهة مباشرة. 

وتعتبر الصين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما تعتمد الجزيرة بشكل كبير على الولايات المتحدة في تسليحها.

هذا التوتر يضيف بعداً أمنياً معقداً إلى التحولات الاقتصادية، ويجعل من شرق آسيا إحدى أكثر مناطق العالم حساسية في المرحلة المقبلة.

كوريا الشمالية والحرب الأوكرانية

في سياق إقليمي متصل، افتتح زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون مجمعاً سكنياً جديداً في العاصمة بيونغ يانغ مخصصاً لعائلات الجنود الذين قتلوا خلال مشاركتهم في الحرب الروسية الأوكرانية.

وتشير تقديرات إلى أن بيونغ يانغ أرسلت آلاف الجنود لدعم موسكو، في خطوة تعكس عمق التعاون العسكري بين البلدين. ويرى محللون أن افتتاح المجمع السكني يحمل رسالة داخلية تهدف إلى تبرير المشاركة العسكرية وتأكيد التزام الدولة برعاية أسر القتلى.

مستقبل المنطقة بين التكنولوجيا والجغرافيا السياسية

تكشف هذه التطورات المتزامنة عن مرحلة إعادة تشكيل شاملة في شرق آسيا. فالصين تسعى إلى توظيف الثورة التكنولوجية لمواجهة تحدياتها السكانية وضمان استمرار نموها الاقتصادي، في حين تعمل على توسيع شبكتها الدبلوماسية وسط بيئة دولية متوترة. 

وفي الوقت نفسه، تواصل كوريا الشمالية تعزيز تحالفاتها في سياق صراع أوسع يمتد إلى أوروبا الشرقية.

السنوات المقبلة ستحدد مدى نجاح الصين في تحويل الأتمتة إلى رافعة استقرار اقتصادي واجتماعي، ومدى قدرتها على إدارة التوازن الدقيق بين التنافس مع الولايات المتحدة والتعاون مع شركاء جدد. 

وبينما تتقدم الروبوتات في المصانع والمنازل، تبقى السياسة والجغرافيا عوامل حاسمة في رسم مستقبل المنطقة.