مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ما مخرجات القمة العادية الـ39 للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا؟

نشر
الأمصار

احتضنت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أعمال القمة العادية التاسعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي يومي 14 و15 فبراير 2026، وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تحديات النزاعات المسلحة، وأزمات الديون، وضغوط التغير المناخي، مع تصاعد المنافسة الدولية على النفوذ داخل القارة.

وجاءت القمة بعد استكمال الاجتماعات التحضيرية، لتشكل محطة سياسية مهمة لإعادة ترتيب الأولويات القارية ومراجعة مسار تنفيذ أجندة إفريقيا 2063.

التغيير القيادي وانتقال الرئاسة الدورية

أقرت القمة انتخاب الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي رئيسًا دوريًا للاتحاد الإفريقي لعام 2026، في انتقال يعكس آلية التداول الإقليمي المعتمدة داخل الاتحاد. ولا يقتصر هذا الانتقال على بُعده البروتوكولي، بل يحمل دلالات سياسية ترتبط بإعطاء منطقة البحيرات الكبرى حضورًا أكبر على جدول الأعمال القاري، خاصة في ظل استمرار بؤر التوتر في شرق ووسط إفريقيا.

ومن المتوقع أن تركز الرئاسة الجديدة على دعم جهود الوساطة في النزاعات، وتعزيز التنسيق الأمني الإقليمي، إلى جانب الدفع بقضايا الشباب والتنمية والخدمات الأساسية. ويُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها اختبارًا لقدرة الاتحاد على تحويل التوازنات الجغرافية الرمزية إلى تأثير عملي ملموس، يعزز الاستقرار ويدعم مسارات التسوية السياسية.

المياه أولوية استراتيجية لعام 2026

اعتمدت القمة شعار عام 2026 تحت عنوان “المياه مورد حيوي للحياة والتنمية والاستدامة”، ليصبح الإطار المرجعي لبرامج الاتحاد خلال العام. ويعكس هذا التوجه تحولًا في تعريف مفهوم الأمن داخل القارة، بحيث لم يعد مقتصرًا على الأبعاد العسكرية، بل بات يشمل الموارد الطبيعية الحيوية، وفي مقدمتها المياه.

ويشير اختيار هذا الشعار إلى إدراك متزايد بأن الأمن المائي بات عاملًا مؤثرًا في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، خاصة في ظل تزايد النزاعات المرتبطة بالموارد العابرة للحدود، وتفاقم آثار التغير المناخي. كما يتوقع أن يشهد العام الجاري تعزيزًا للاستثمار في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتطوير آليات التعاون بين الدول المتشاركة في الأحواض المائية، بما يسهم في تحويل إدارة المياه إلى أداة وقائية تمنع الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها.

إصلاح الحوكمة الدولية وتمثيل إفريقيا

جددت القمة التأكيد على الموقف الإفريقي الموحد بشأن إصلاح مجلس الأمن الدولي، والمطالبة بتمثيل دائم للقارة داخل المجلس. وحظي هذا التوجه بدعم من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في إشارة إلى تنامي الاعتراف الدولي بضرورة تصحيح الخلل في بنية النظام العالمي.

ويعكس هذا الموقف سعي الاتحاد إلى تعزيز حضوره في مراكز صنع القرار الدولي، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي للقرارات المؤثرة على مصالحه. كما يشير إلى أهمية توحيد الصوت الإفريقي في المحافل الدولية، بما يمنح القارة قدرة تفاوضية أكبر في قضايا السلم والأمن والتنمية والديون.

النزاعات الإقليمية وتعزيز دور مجلس السلم والأمن

احتلت النزاعات في السودان وجنوب السودان ومنطقة الساحل موقعًا متقدمًا على جدول أعمال القمة، مع استعراض تقارير مجلس السلم والأمن الإفريقي بشأن تطورات الأوضاع الميدانية. وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف أهمية الالتزام بمبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، باعتباره خيارًا استراتيجيًا في ظل تراجع فعالية المقاربات الدولية التقليدية.

من جانبه، شدد رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد على أن القارة تواجه لحظة حاسمة تتطلب تنسيقًا أكبر بين دولها، فيما دعا الرئيس الأنجولي جواو لورنسو، الرئيس المنتهية ولايته للاتحاد، إلى تحصين القرار الإفريقي من التدخلات الخارجية.

ورغم وضوح الرؤية السياسية، يبقى التحدي في قدرة مجلس السلم والأمن على ترجمة القرارات إلى إجراءات تنفيذية، في ظل تعقيد النزاعات وتشابك الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، إضافة إلى محدودية الموارد المالية واللوجستية.

التكامل الاقتصادي وتسريع التجارة الحرة القارية

أكد القادة ضرورة تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مع التركيز على إزالة العوائق غير الجمركية وتسهيل حركة السلع والخدمات. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن التكامل الاقتصادي لم يعد خيارًا بعيد المدى، بل أداة استراتيجية لمواجهة تداعيات الأزمات العالمية، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي.

ويُنتظر أن يسهم تعزيز التجارة البينية في دعم سلاسل القيمة المحلية، وتوفير فرص عمل، وزيادة القدرة التفاوضية الجماعية للدول الإفريقية أمام التكتلات الاقتصادية الدولية. كما أن السوق الإفريقية الموحدة تمثل أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية.

الإصلاح المؤسسي والمالي داخل الاتحاد

أعلنت القمة استمرار مسار الإصلاح المؤسسي والمالي داخل الاتحاد، بهدف تعزيز الاستقلالية التمويلية وتحسين كفاءة تنفيذ القرارات. ويعكس هذا التوجه وعيًا متزايدًا بأن قوة المؤسسة القارية شرط أساسي لنجاح أي أجندة سياسية أو تنموية.

ويشمل الإصلاح مراجعة آليات التمويل، وتقوية نظم المتابعة والتقييم، وضمان انضباط الهياكل الإدارية، بما يمكن الاتحاد من الانتقال من إصدار البيانات إلى تنفيذ البرامج بفاعلية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعانيها عدة دول أعضاء، ما يفرض ضرورة بناء مؤسسات مرنة وقادرة على تعبئة الموارد وإدارتها بكفاءة.

بين الالتزام السياسي واختبار التنفيذ

تشير مخرجات القمة العادية التاسعة والثلاثين إلى وجود توافق سياسي واسع حول أولويات المرحلة، سواء في ما يتعلق بالأمن المائي، أو إصلاح النظام الدولي، أو إدارة النزاعات، أو تعزيز التكامل الاقتصادي. غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة القرارات، بل في قدرتها على التحول إلى سياسات ملموسة تؤثر في حياة المواطنين.

وفي ظل تصاعد الاستقطاب الدولي وتزايد الضغوط المالية، تبدو القمة محطة لإعادة تأكيد الإرادة الجماعية أكثر من كونها نقطة حسم نهائي. ويبقى نجاح هذه المخرجات مرهونًا بمدى التزام الدول الأعضاء بتغليب المصلحة القارية على الحسابات الضيقة، وتعزيز آليات المتابعة والمساءلة، وترسيخ رؤية إفريقية موحدة قادرة على التعامل بمرونة واستقلالية مع المتغيرات الدولية المتسارعة.

وبذلك، يمكن القول إن قمة أديس أبابا 2026 شكلت لحظة تجديد سياسي واستراتيجي، وضعت ملامح أجندة العام أمام اختبار التنفيذ، في قارة تسعى إلى تثبيت موقعها كشريك فاعل في النظام الدولي، لا كساحة لتقاطع المصالح الخارجية.