ذكرى اغتيال رفيق الحريري: جرح مفتوح في ذاكرة الوطن
في الرابع عشر من فبراير 2005، دوّى انفجار ضخم على الواجهة البحرية للعاصمة بيروت، مستهدفًا موكب رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
خلال لحظات، تحوّل المشهد إلى كتلة من الدخان والنار والركام، وسقط الحريري وعدد من مرافقيه ومواطنين أبرياء ضحايا لعملية اغتيال هزّت لبنان والمنطقة بأسرها.
لم يكن الحدث أمنيًا فحسب، بل كان زلزالًا سياسيًا وشعبيًا فتح مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.
شكّل الاغتيال صدمة عميقة للبنانيين الذين رأوا في الحريري شخصية محورية في إعادة إعمار بيروت بعد الحرب الأهلية، ورمزًا لمرحلة من الانفتاح الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ومنذ ذلك اليوم، تحوّلت ذكرى اغتياله إلى محطة سنوية يستعيد فيها اللبنانيون مشاعر الحزن والغضب والأسئلة العالقة.
رجل الإعمار والسياسة
وُلد رفيق الحريري عام 1944، وبرز اسمه في عالم الأعمال قبل أن يدخل المعترك السياسي. تولّى رئاسة الحكومة اللبنانية عدة مرات خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، وقاد مشاريع واسعة لإعادة إعمار وسط بيروت، الذي دمّرته سنوات الحرب الأهلية.
ارتبط اسمه بورشة إعادة البناء، وبسياسات اقتصادية هدفت إلى استقطاب الاستثمارات وتحفيز النمو.
لكن مسيرته السياسية لم تخلُ من الجدل؛ فقد وُجهت إليه انتقادات تتعلق بالديون العامة والسياسات المالية، في مقابل إشادة أنصاره بدوره في إعادة لبنان إلى الخارطة الاقتصادية والسياحية.
وبين هذا وذاك، بقي الحريري شخصية جامعة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وفاعلًا أساسيًا في التوازنات الداخلية المعقدة.
تداعيات سياسية مفصلية
أدّى اغتيال الحريري إلى موجة احتجاجات شعبية واسعة عُرفت لاحقًا باسم “انتفاضة الاستقلال” أو “ثورة الأرز”. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بالحقيقة والعدالة، ومنددين بالوصاية الخارجية والتدخلات السياسية.
شكّلت تلك التحركات محطة فارقة أدت إلى تحولات عميقة في المشهد السياسي، أبرزها انسحاب القوات السورية من لبنان بعد وجود استمر لعقود.
كما أُنشئت لجنة تحقيق دولية، ثم محكمة خاصة بلبنان للنظر في جريمة الاغتيال، في خطوة عكست حجم الضغوط الداخلية والدولية لكشف ملابسات العملية. ورغم صدور أحكام لاحقًا، ظل الجدل السياسي قائمًا، وبقيت القضية محور انقسام بين القوى اللبنانية.
الذكرى السنوية: بين الوفاء والانقسام
في كل عام، يتحول الرابع عشر من شباط إلى يوم استذكار وطني.
تتجه الأنظار إلى ضريح الحريري في وسط بيروت، حيث تتوافد شخصيات سياسية ودينية ومواطنون لوضع أكاليل الزهور وقراءة الفاتحة. وتُلقى كلمات تستعيد مسيرته، وتؤكد على التمسك بمشروع الدولة والسيادة والاستقرار.
غير أن الذكرى لا تخلو من أبعاد سياسية. فالبعض يراها مناسبة لتجديد الخطاب السيادي والمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، فيما يفضل آخرون إبقاءها في إطار الوفاء الإنساني بعيدًا عن الاصطفافات. وهكذا تبقى ذكرى الاغتيال مرآة للانقسام اللبناني، بقدر ما هي مساحة مشتركة للحزن.
العدالة بين المحاكم والذاكرة
رغم مرور سنوات طويلة على الجريمة، ما زال سؤال العدالة حاضرًا بقوة. فالكثير
من اللبنانيين يعتبرون أن الحقيقة الكاملة لم تُكشف بعد، وأن العدالة تبقى منقوصة ما لم تُقفل كل الثغرات السياسية والقضائية. وفي المقابل، يرى آخرون أن المسار القضائي الدولي شكّل سابقة في تاريخ لبنان، ورسالة بأن الجرائم السياسية الكبرى لا يمكن أن تمر من دون مساءلة.
تُظهر هذه الجدلية مدى تعقيد الواقع اللبناني، حيث تتداخل السياسة بالقضاء، والذاكرة الجماعية بالحسابات الإقليمية. ومع كل ذكرى، تتجدد المطالب بإرساء دولة المؤسسات والقانون، التي كان الحريري يؤكد عليها في خطاباته.
إرث مستمر وتأثير عائلي وسياسي
لم يتوقف تأثير رفيق الحريري عند لحظة اغتياله.
فقد ورث نجله سعد الحريري جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي، وتولّى رئاسة الحكومة في مراحل لاحقة، مستندًا إلى إرث والده وشعبيته. ومع أن المسار السياسي لسعد الحريري شهد تحديات وتراجعات، إلا أن اسم العائلة بقي حاضرًا في المشهد العام.
كما يستمر حضور الحريري في الذاكرة الشعبية من خلال المؤسسات التعليمية والاجتماعية التي تحمل اسمه، ومن خلال صورته التي ترفع في مناسبات سياسية وشعبية. بالنسبة لكثيرين، يمثل الحريري حلم الدولة المزدهرة المستقرة، حتى وإن تعثرت التجربة في ظل أزمات متلاحقة عصفت بلبنان.
ذكرى تتجاوز الزمن
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على الاغتيال، يعيش لبنان أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، ما يدفع البعض إلى مقارنة الواقع الحالي بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية التي قاد فيها الحريري مشروع إعادة البناء.
وبين الحنين إلى الماضي والنقد الموضوعي للتجربة، تبقى ذكرى اغتياله لحظة تأمل في مسار دولة لم تستقر بعد.
إن ذكرى مقتل رفيق الحريري ليست مجرد مناسبة سياسية عابرة، بل محطة وطنية تستحضر أسئلة العدالة والسيادة والإصلاح. ومع كل عام، يتجدد العهد لدى محبيه بأن تبقى قضيته حية في الوجدان، وأن يظل مطلب الحقيقة قائمًا، في بلد لا تزال جراحه مفتوحة على احتمالات متعددة.