وسط تحولات دولية متسارعة
مؤتمر ميونخ للأمن.. صراع النفوذ يفرض أجندته وأوروبا أمام اختبار الدور والتأثير
انطلقت في مدينة ميونخ أعمال النسخة الثانية والستين من مؤتمر ميونخ للأمن، بمشاركة دولية واسعة وإجراءات أمنية مشددة، في ظل بيئة دولية توصف بأنها الأكثر اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة.

ويستمر المؤتمر ثلاثة أيام، جامعًا قادة دول، ووزراء دفاع وخارجية، وخبراء أمن واستراتيجية من مختلف أنحاء العالم.
ويشارك في المؤتمر نحو 50 إلى 60 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فضلاً عن حضور بارز لأعضاء الحكومة الألمانية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس.
أجندة مزدحمة: من أوكرانيا إلى مستقبل النظام الدولي
يركز البرنامج الرئيسي للمؤتمر على قضايا الأمن والدفاع الأوروبي، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي، والحرب في أوكرانيا، والتطورات في الشرق الأوسط، إضافة إلى التنافس بين القوى الكبرى وتأثير التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي على مفاهيم الأمن القومي.
ويأتي انعقاد نسخة هذا العام في وقت تتعرض فيه ركائز النظام الدولي القائم على القواعد لضغوط غير مسبوقة، مع تصاعد النزاعات المسلحة، وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، واحتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية للعام الرابع على التوالي.
ويؤكد منظمو المؤتمر أن الهدف لا يقتصر على تبادل وجهات النظر، بل يتعداه إلى بناء تفاهمات سياسية وأمنية تسهم في تقليص فجوات الخلاف وتعزيز الاستقرار الدولي.

أوروبا بين الطموح والواقع
رئيس المؤتمر، الدبلوماسي الألماني البارز فولفغانغ إيشينغر، شدد قبيل انطلاق الفعاليات على أن نسخة 2026 تمثل “منصة مركزية للحوار العالمي” بشأن أبرز تحديات الأمن الدولي. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن الاتحاد الأوروبي لم يعد “مركز العالم”، في إشارة إلى تراجع الوزن الجيوسياسي الأوروبي مقارنة بصعود قوى أخرى.
ويطرح هذا التقييم سؤالًا جوهريًا داخل أروقة المؤتمر: هل بات الاتحاد الأوروبي لاعبًا ثانويًا في النظام الدولي؟
ففي ملفات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا أو التوترات في الشرق الأوسط، بدت واشنطن وموسكو وبكين أطرافًا أكثر تأثيرًا في مسارات التفاوض، بينما تراجع الدور الأوروبي نسبيًا.
ويرى إيشينغر أن على أوروبا أن “تتحدث بصوت واحد”، وأن تعزز تكاملها الدفاعي، معتبرًا أن القارة تمتلك الإمكانات الديموغرافية والاقتصادية التي تؤهلها للاضطلاع بدور أكبر. كما أشار إلى ضرورة إصلاح آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تقليص الاعتماد على مبدأ الإجماع في القضايا الحساسة، لرفع مستوى الفعالية السياسية.
العلاقات عبر الأطلسي: اختبار جديد
يحضر ملف العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة بقوة في مناقشات هذا العام، خاصة بعد الجدل الذي أثاره نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في نسخة 2025 من المؤتمر، عندما وجّه انتقادات حادة لأداء الديمقراطيات الأوروبية، ما أثار مخاوف من اتساع الفجوة عبر الأطلسي.
ويشارك في نسخة 2026 وفد أمريكي رفيع يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي. ويرى مراقبون أن طبيعة الرسائل الأمريكية هذا العام ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات بين ضفتي الأطلسي، خاصة في ظل تباين الأولويات الاستراتيجية، حيث باتت واشنطن تركز بشكل متزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في هذا السياق، قال ألكسندر غراي، الذي عمل سابقًا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر أوروبا المسرح الرئيسي لانخراطها الجيوسياسي، معتبرًا أن روسيا “قوة متراجعة”، وأن التحدي الأكبر يتمثل في المنافسة مع الصين.
الدفاع والطاقة والهجرة: نقاط خلاف قائمة
ورغم استمرار التنسيق الدفاعي بين الولايات المتحدة وأوروبا في إطار حلف شمال الأطلسي، برزت في السنوات الأخيرة خلافات تتعلق بسياسات الطاقة والهجرة وحرية التعبير.
وكان سفير الولايات المتحدة لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، قد أشار قبل انعقاد المؤتمر إلى وجود اختلافات في القيم بين الجانبين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الشراكة الاستراتيجية لا تزال قائمة.
وتراقب كل من روسيا والصين عن كثب مجريات المؤتمر، بحثًا عن مؤشرات على تماسك أو انقسام داخل التحالف الغربي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على النفوذ في مناطق متعددة من العالم.
هل تستعيد ميونخ دورها المحوري؟
لطالما اعتُبر مؤتمر ميونخ للأمن أحد أهم المنتديات العالمية غير الرسمية لمناقشة قضايا الأمن والسياسة الدولية، حيث شهد في دورات سابقة إطلاق مبادرات مهمة وتبادل رسائل سياسية مؤثرة.
غير أن تعدد منصات الحوار الدولية، وصعود تكتلات إقليمية جديدة، دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كان المؤتمر لا يزال يحتفظ بثقله السابق.
إيشينغر يرفض هذا الطرح، مؤكدًا أن الحضور القياسي من قادة الدول والحكومات يعكس استمرار أهمية ميونخ كمنصة جامعة للنقاش الاستراتيجي.
ومع تزايد التحديات العالمية، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمات الشرق الأوسط وتداعيات التغير المناخي والذكاء الاصطناعي، تبدو ميونخ هذا العام أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على مكانتها كمنبر مؤثر، والمساهمة فعليًا في صياغة مقاربات جديدة للأمن الدولي في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.