مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

من الصين إلى إيران.. كيف عُزل الملايين عن الإنترنت خلال احتجاجات يناير؟

نشر
الأمصار

شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مطلع عام 2026 موجة احتجاجات داخلية واسعة النطاق، وُصفت بأنها من الأكثر اتساعًا وتأثيرًا خلال السنوات الأخيرة، حيث امتدت إلى أبعاد سياسية وأمنية واجتماعية متشابكة. 

وفي خضم تصاعد هذه التحركات الشعبية، اتخذت السلطات الإيرانية قرارًا مثيرًا للجدل تمثل في قطع الإنترنت بشكل شبه كامل عن نحو 93 مليون مستخدم داخل البلاد، في خطوة أثارت اهتمامًا عالميًا واسعًا وفتحت بابًا للنقاش حول استخدام التكنولوجيا كأداة للسيطرة في أوقات الأزمات.
وبحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، فإن البنية التحتية التي اعتمدت عليها الحكومة الإيرانية في فرض هذا العزل الرقمي تستند إلى تكنولوجيا صينية متقدمة، جرى تطويرها خلال السنوات الماضية لتعزيز سيطرة الدولة على الفضاء الإلكتروني. وقد مكّنت هذه الأنظمة السلطات من عزل الشبكة المحلية الإيرانية عن الإنترنت العالمي بشكل شبه كامل خلال ذروة الاحتجاجات، ما قيّد قدرة المواطنين على التواصل مع الخارج أو نقل مجريات الأحداث في وقتها الحقيقي.


وشمل قرار الحجب تعطيل منصات التواصل الاجتماعي العالمية، وتقييد خدمات الاتصالات الدولية، فضلًا عن تقليص كبير في سرعة الإنترنت المحلي. وأوضح محللون أن هذه الإجراءات لم تكن مؤقتة أو عشوائية، بل جاءت نتيجة استعدادات تقنية طويلة الأمد، هدفت إلى تمكين الدولة من التحكم الكامل في تدفق المعلومات وقت الحاجة.
وتشير التحليلات التقنية إلى أن التكنولوجيا الصينية المستخدمة لا تقتصر على أدوات الحجب التقليدية، بل تشمل أنظمة متطورة للمراقبة العميقة للبيانات، وتقنيات التعرف على الوجوه، وتحليل أنماط الاتصال، إلى جانب الاستعانة بنظام الملاحة الصيني “بيدو” لتتبع المواقع. وهي تقنيات تُستخدم على نطاق واسع داخل جمهورية الصين الشعبية في سياق الرقابة الرقمية، ما منح إيران قدرة أكبر على إدارة المجال المعلوماتي داخل حدودها.
وجاء توقيت قطع الإنترنت في لحظة شديدة الحساسية، تزامنت مع اتساع رقعة الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية، الأمر الذي صعّب على المراقبين الدوليين تحديد الحجم الحقيقي للمشاركة الشعبية أو توثيق التطورات الميدانية بشكل مستقل. كما ساهم الانقطاع في الحد من تداول معلومات تتعلق باستخدام القوة الأمنية، وسط تقارير غير مؤكدة عن وقوع ضحايا في بعض المناطق.
ولم تقتصر تداعيات القرار على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، حيث تضررت التجارة الإلكترونية، وتوقفت أعمال تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت، كما واجه المواطنون صعوبات في الوصول إلى خدمات حيوية، من بينها الخدمات المصرفية والطبية. وفي المقابل، لجأ بعض الإيرانيين إلى استخدام وسائل بديلة، مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، في محاولة للالتفاف على الحجب واستعادة الاتصال بالعالم الخارجي.
وأثار هذا العزل الرقمي نقاشًا واسعًا داخل إيران وخارجها حول حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، إذ يرى منتقدون أن هذه السياسات تعمّق عزلة المجتمع وتزيد من حدة التوتر بين الدولة والمواطنين، بينما تؤكد الحكومة الإيرانية أن الإجراءات جاءت بدافع الحفاظ على الأمن والاستقرار في ظل ظروف استثنائية.