فيضانات تجتاح شمال المغرب وإخلاء مدينة القصر الكبير
يشهد شمال المغرب منذ أسابيع تساقطات مطرية استثنائية أدّت إلى بلوغ حقينات السدود والأنهار والوديان مستويات خطيرة، كان أبرزها سدّ وادي المخازن الذي تجاوزت حقينته 160%، في وضع غير مسبوق أثار مخاوف من تهديد مباشر لمدينة القصر الكبير. ومع استمرار الاضطرابات الجوية، اتخذت السلطات قرارا غير مألوف بالإخلاء التام للمدينة من ساكنتها تفاديا لكارثة محتملة.
تاريخ طويل مع الفيضانات في القصر الكبير
تقع مدينة القصر الكبير في قلب وادي اللوكوس شمال غرب المغرب، وقد شكّل هذا الموقع على امتداد التاريخ نعمة زراعيّة ونقمة طبيعيّة في آن واحد. فمنذ فيضانات 1963 التي ما تزال محفورةً في الذاكرة الجماعية، ظلّ النّهر يذكّر السّكان بأنّ للماء مساراته القديمة. وعلى الرغم من أنّ بناء سدّ وادي المخازن سنة 1979 أدّى إلى تراجع المخاوف وشجّع التوسّع العمرانيّ حتى في المناطق القريبة من مجرى الوادي، والتي شيدت فيها تجمعات سكنية حديثة، إلى جانب بنايات لمؤسسات الدولة، كقصر العدالة، والمستشفى المحلي، ونواة المدينة الجامعيّة، إلا أن فيضانات 2026 أعادت رسم الحدود، وأثبتت أن الماء لا ينسى طريقه.
فمع بداية يناير من العام الجاري، أدّت الأمطار غير المسبوقة التي عرفتها المنطقة إلى امتلاء السدّ بالكامل، واضطرت وكالة الأحواض المائيّة إلى فتح بوّابات التفريغ لتصريف أزيد من 280 مليون متر مكعب من المياه. ومع التقاء هذا التدفق بمدّ بحريّ مرتفع تزامنًا مع عاصفة ليوناردو، ارتدّت المياه نحو المدينة وبدأت تغمر الطرق الرئيسية، وأحياء من المدينة أبرزها “الديوان” و”سيدي الكامل” و”المدينة العتيقة” خلال يومين فقط. وأعلنت السلطات عن رفع حالة التأهّب القصوى وتمّ تجنيد الجيش والوقاية المدنية لفكّ العزلة عن الأسر المحاصرة.
بلغت الأزمة ذروتها ليلة الاثنين–الثلاثاء (2–3 فبراير 2026)، حين رفعت المصالح التقنية آخر تحذيراتها بعد تسجيل ارتفاع خطير في منسوب السد، وتحسبا لوصول عاصفة مارتا التي تشمل أجزاء واسعة من جنوب أوربا وشمال أفريقيا، أصدرت السلطات المحلية فجرًا بيانًا عاجلًا يدعو الساكنة البالغ عددها حوالي 120.000 نسمة[1] إلى الإخلاء الفوري للمدينة، وتم تخصيص قطارات وحافلات مجانية لنقل آلاف النازحين نحو مدن مجاورة مثل العرائش وطنجة وأصيلة، وفي هذا السياق يصف الشاعر والأكاديمي عبد السلام دخان مشهد الدقائق الأخيرة قبل المغادرة قائلاً: “اختفت أجزاء واسعة من المدينة تحت الماء”، بعدما تحولت الشوارع إلى أنهار يجتاحها الصمت والرعب. فقد شُلّت الحياة كليا مع انقطاع الكهرباء والماء وإغلاق المحلات، فيما بدا صوت هدير نهر اللوكوس أعلى من كل شيء”. ورغم سوداوية الصورة، يثمّن المتحدث سرعة تدخل السلطات، التي نفّذت عمليات إجلاء واسعة ووفّرت مراكز إيواء ورعاية للفئات الهشّة. ويروي تجربة مغادرته منزله رفقة أسرته وسط مياه بلغت مستوى الخصر، تاركًا وراءه بيتًا يغرق ومدينة فارغة تنتظر انحسار المياه.

