مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ضغوط على جاك لانغ للاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي بعد ربطه بملفات إبستين

نشر
الأمصار

تتزايد الضغوط السياسية والقضائية في فرنسا على الوزير السابق ورئيس «معهد العالم العربي» في باريس، جاك لانغ، على خلفية الكشف عن صلات سابقة جمعته بالخبير المالي الأميركي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية خطيرة بحق قاصرات. وتحوّلت القضية خلال أيام قليلة من جدل إعلامي إلى ملف رسمي مفتوح، مع استدعاء لانغ إلى وزارة الخارجية الفرنسية وفتح تحقيق قضائي يشمل أيضًا ابنته كارولين لانغ.

وتضع هذه التطورات مستقبل رئاسة لانغ لمعهد العالم العربي أمام مفترق طرق حاسم، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قدرته على الاستمرار في منصبه على رأس واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في فرنسا والعالم العربي.

استدعاء رسمي وتحقيق قضائي

أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن جاك لانغ استُدعي رسميًا إلى وزارة الخارجية، الممول الرئيسي لمعهد العالم العربي، على أن يتم الاستماع إليه في اجتماع مرتقب. وأوضح بارو أن «الأولوية تكمن في ضمان حسن سير عمل المعهد ونزاهته واستمراريته»، مشيرًا إلى أن المعطيات الأولية المرتبطة بالملف «بالغة الخطورة وتتطلب تحقيقًا معمقًا».

بالتوازي، أعلنت النيابة العامة الوطنية المالية فتح تحقيق أولي في شبهات «تبييض تهرب ضريبي مشدد»، على خلفية وقائع كشفتها تحقيقات صحفية تتعلق بروابط مالية محتملة بين جاك لانغ وابنته من جهة، وجيفري إبستين من جهة أخرى.

 وثائق أميركية تعيد فتح الملف

اندلعت الأزمة بعد نشر وزارة العدل الأميركية، في 30 يناير الماضي، ملايين الوثائق المرتبطة بقضية إبستين، والتي تضمنت مراسلات وأسماء شخصيات سياسية وثقافية بارزة. وبرز اسم جاك لانغ ضمن هذه الوثائق بشكل لافت، حيث ورد ذكره مئات المرات، ما أعاد فتح ملف علاقاته السابقة بإبستين، رغم وفاة الأخير في زنزانته بنيويورك عام 2019.

وأظهرت الوثائق مراسلات شخصية بين لانغ وإبستين، من بينها رسالة كتبها لانغ عام 2017 يشيد فيها بما وصفه «سخاء» رجل الأعمال الأميركي، وطلب منه خدمات شخصية، وهو ما اعتبره منتقدوه دليلًا على علاقة تتجاوز مجرد معرفة عابرة.

 دفاع لانغ ورفض الاستقالة

في مواجهة هذه الضغوط، استبعد جاك لانغ، البالغ من العمر 86 عامًا، الاستقالة من منصبه، مؤكدًا أنه لم يكن على علم بالماضي الإجرامي لإبستين عند لقائه به قبل نحو 15 عامًا. ووصف لانغ علاقته السابقة بإبستين بأنها «ساذجة»، معتبرًا أنه وقع ضحية خداع اجتماعي لم يكن يدرك أبعاده.

وقال محاميه لوران ميرليه إن من حق موكله تقديم توضيحات للسلطات الوصية، مشددًا على أن الوثائق المنشورة لا تثبت وجود «علاقة صداقة وثيقة» بين الطرفين، بل مجرد تواصل محدود لا يرقى إلى مستوى الشراكة أو التواطؤ.

ورغم ذلك، لم يعلّق لانغ رسميًا على فتح التحقيق القضائي، فيما أفاد مقربون منه بأنه يمر بحالة نفسية صعبة، وُصفت بأنه «مصدوم ومنهك».

استقالة الابنة وتداعيات جانبية

على صعيد متصل، أعلنت كارولين لانغ، ابنة جاك لانغ، استقالتها من رئاسة نقابة منتجي السينما، بعد الكشف عن أنها أسست شركة «أوفشور» عام 2016 بالشراكة مع إبستين. وأكدت كارولين في تصريحات إعلامية أن علاقتها بإبستين لم تكن وثيقة، وأنها لم تكن على علم بأي نشاط إجرامي مرتبط به.

وتُعد استقالة الابنة تطورًا لافتًا في القضية، إذ تعكس حجم التداعيات التي بدأت تتجاوز شخص جاك لانغ لتطال محيطه العائلي والمهني.

معهد العالم العربي في قلب العاصفة

يمثل «معهد العالم العربي» مؤسسة ثقافية ذات رمزية خاصة، أُسست عام 1980 لتعزيز الحوار الثقافي بين فرنسا والعالم العربي. ويتلقى المعهد دعمًا ماليًا سنويًا من وزارة الخارجية الفرنسية يُقدّر بنحو 12.3 مليون يورو، ما يعادل نصف ميزانيته.

وعُيّن جاك لانغ رئيسًا للمعهد عام 2013، وجُددت ولايته أربع مرات، بترشيح من السلطات الفرنسية وموافقة مجلس إدارة يضم ممثلين عن دول عربية وشخصيات تختارها وزارة الخارجية.

ويرى مراقبون أن استمرار لانغ في رئاسة المعهد بات محل تساؤل، ليس فقط بسبب التحقيق القضائي، بل أيضًا بسبب الضرر المعنوي الذي لحق بصورة المؤسسة، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى تعزيز خطاب الشفافية والمساءلة.

 جدل سياسي وأخلاقي واسع

أثار الملف جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا في الأوساط الفرنسية، حيث طالب عدد من البرلمانيين والمثقفين بضرورة تحمّل لانغ مسؤوليته المعنوية، حتى في غياب اتهامات مباشرة. ويرى هؤلاء أن مجرد الارتباط باسم إبستين، في ظل خطورة الجرائم المنسوبة إليه، يفرض اتخاذ موقف أخلاقي واضح.

في المقابل، يحذّر آخرون من الانجرار إلى «محاكمات إعلامية»، مؤكدين أن مبدأ قرينة البراءة يجب أن يظل قائمًا إلى حين صدور نتائج التحقيق القضائي.

 مستقبل لانغ… بين القانون والسياسة

يبقى مستقبل جاك لانغ معلقًا بين مسارين متوازيين: مسار قضائي لم يصل بعد إلى مرحلة الاتهام الرسمي، ومسار سياسي وإداري قد يفضي إلى إنهاء تفويضه على رأس معهد العالم العربي، حفاظًا على سمعة المؤسسة.

وفي ظل احتفاظ وزارة الخارجية الفرنسية بـ«كل الخيارات»، كما قال الوزير جان نويل بارو، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مصير أحد أبرز الوجوه الثقافية والسياسية في فرنسا خلال العقود الماضية، في قضية تعكس اتساع تداعيات ملف إبستين حتى بعد سنوات على وفاته.