مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ظاهرة خطيرة تجتاح ولايات السودان وسط مخاوف من تدهور النظام البيئي

نشر
الأمصار

تشهد عدة ولايات سودانية خلال الأسابيع الأخيرة موجة غير مسبوقة من نفوق الفئران والأسماك، ما أثار حالة واسعة من القلق بين السكان، في ظل بيئة منهكة بفعل الحرب والتلوث وتراجع قدرات المكافحة.

وبدأت الظاهرة في مناطق خشم القربة وود الحليو والبطانة، قبل أن تتوسع لتشمل كسلا وسنار والجزيرة، وصولاً إلى ولاية نهر النيل حيث تزامن انتشار الفئران مع نفوق ملحوظ للأسماك. 

ورغم تأكيد حكومتي كسلا والجزيرة أن الفحوصات أثبتت خلو الفئران من الأمراض، فإن حجم النفوق وانتشاره السريع أثارا تساؤلات واسعة.

وربط بعض المواطنين الظاهرة بفرضيات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، إلا أن المختصين استبعدوا ذلك تماماً، مؤكدين أن التفسيرات العلمية تشير إلى عوامل بيئية وزراعية معقدة.

تغيّرات بيئية عميقة وراء الظاهرة
يقول الخبير البيئي د. بشرى حامد أحمد بشير إن الظاهرة ليست جديدة، لكنها تفاقمت نتيجة تدهور الغطاء النباتي وإزالة الغابات خلال السنوات الماضية، ما دفع الفئران للهجرة والتكاثر في مناطق محدودة قبل أن تواجه نقصاً حاداً في الغذاء.
ويشرح أن ما يحدث يتوافق مع مفهوم “توازن العشيرة”، حيث تموت الفئران الأكبر سناً أولاً عند حدوث اختلال في الموارد الغذائية، بينما تبقى الفئران الأصغر قادرة على البقاء لفترة أطول.

استبعاد كامل لفرضية السلاح الكيميائي
أكد د. بشرى أن التحاليل المخبرية للتربة والمياه والنباتات والحيوانات لم تُظهر أي أثر لمواد كيميائية مرتبطة بالعمليات العسكرية. 

كما أن توقيت ظهور الظاهرة بعد فترة طويلة من توقف القتال يدعم هذا الاستبعاد.

وأشار إلى أن الفئران تمتلك قدرة عالية على تحمل السموم، مستشهداً بنجاتها في مناطق شهدت تفجيرات نووية، ما يجعل فرضية “القتل الكيميائي” غير منطقية وفق الأدلة المتاحة.
نفوق الأسماك… الخطر الأكبر في نهر عطبرة
على خلاف نفوق الفئران، يرى الخبير أن نفوق الأسماك في نهر عطبرة يمثل تهديداً بيئياً مباشراً، مرجحاً أن يكون سببه التلوث الناتج عن التعدين الأهلي باستخدام مادتي السيانيد والزئبق.

وأوضح أن عمليات التعدين تستخلص 30% فقط من الذهب، بينما تُعاد معالجة 70% من المخلفات داخل المدن وعلى ضفاف الأنهار، ما يؤدي إلى تسمم المياه والتربة ونفوق الأسماك.

وحذّر من أن تناول الأسماك الملوثة قد يسبب أمراضاً خطيرة مثل السرطان والفشل الكلوي وتشوه الأجنة وأمراض الكبد والجهاز العصبي.

انهيار أنظمة المكافحة يزيد الأزمة تعقيداً
أشار د. بشرى إلى أن السودان كان يعتمد سابقاً على حملات دورية لمكافحة الفئران وفق أسس علمية دقيقة، لكن الحرب أدت إلى توقف هذه الحملات ونهب معدات وقاية النباتات، ما يجعل تكرار الظاهرة أمراً متوقعاً.
وأوضح أن الفئران تُعد من أخطر الآفات بسبب قدرتها على نقل أمراض مثل الطاعون، وصعوبة مكافحتها نظراً لانتمائها إلى فصيلة الفقاريات، ما يجعل كثيراً من السموم المستخدمة خطرة على الإنسان أيضاً.

تلوث يفوق آثار الحرب
يرى الخبير البيئي أن السودان يواجه اليوم أزمتين بيئيتين متزامنتين: انتشار الفئران ونفوق الأسماك، لكن الأخيرة أخطر لأنها ترتبط بتلوث مباشر لمياه الشرب والمحاصيل.
ووصف التلوث الكيميائي بأنه “الحرب الحقيقية” التي تهدد حياة المواطنين، داعياً إلى تفعيل القوانين البيئية وتعزيز الرقابة والحوكمة في الولايات.

وأكد أن معالجة آثار التلوث الناتج عن التعدين تفوق بكثير العائدات المالية التي يجنيها الأفراد أو الدولة من هذه الأنشطة.