ما هي معالم الاقتصاد الأمريكي بعد عام من رئاسة ترامب؟
بعد مرور عام كامل على تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بات الاقتصاد الأمريكي محور اهتمام عالمي متزايد، في ظل القرارات والسياسات التي انتهجتها الإدارة الجديدة، والتي لم تقتصر آثارها على الداخل الأمريكي فقط، بل امتدت لتؤثر في الأسواق العالمية وحركة التجارة والاستثمار. ويأتي هذا التقرير لرصد أبرز التحولات الاقتصادية خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، وتحليل أسباب الوضع الراهن، مع استشراف المسارات المستقبلية المحتملة.
مؤشرات اقتصادية تكشف اتجاهات الأداء
شهد الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2025 تغيرات واضحة في عدد من المؤشرات الرئيسية، أبرزها التضخم والعجز والبطالة وقيمة الدولار، وهي مؤشرات تعكس بوضوح طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة.
فيما يتعلق بمعدل التضخم، أظهرت البيانات أن الأشهر الأولى من عام 2025 سجلت تراجعًا نسبيًا مقارنة بعام 2024، حيث انخفض المعدل في فبراير إلى 2.8% مقابل 3.2% في العام السابق، ثم إلى 2.4% في مارس مقابل 3.5%. غير أن هذا الاتجاه لم يستمر طويلًا، إذ بدأت معدلات التضخم في الارتفاع مجددًا مع نهاية الصيف، لتسجل 2.9% في أغسطس و3% في سبتمبر، وهو ما أعاد المخاوف بشأن عودة الضغوط السعرية، خاصة في ظل السياسات التجارية التي تبناها ترامب.
أما العجز الحكومي، فقد سجّل ارتفاعًا ملحوظًا، حيث أعلنت الحكومة الفيدرالية عن عجز بلغ 145 مليار دولار في ديسمبر 2025، مقارنة بـ87 مليار دولار في الشهر نفسه من عام 2024. ورغم ارتفاع الإيرادات بنسبة 6.6%، فإن النفقات ارتفعت بوتيرة أكبر بلغت 16.3%، ما يعكس اختلالًا متزايدًا في الميزان المالي الأمريكي ويثير تساؤلات حول استدامة السياسة المالية الحالية.
وفي سوق العمل، ارتفع معدل البطالة خلال 2025 مقارنة بعام 2024، ليسجل 4.3% في مايو مقابل 3.9% في الشهر نفسه من العام السابق، ثم وصل إلى 4.5% في نوفمبر قبل أن يستقر عند 4.4% في ديسمبر. ورغم أن هذه النسب لا تزال ضمن المعدلات المقبولة تاريخيًا، فإن اتجاهها الصعودي يعكس تباطؤًا في زخم التوظيف.
أما الدولار الأمريكي، فقد شهد تراجعًا ملحوظًا، إذ انخفض مؤشر بلومبرج للدولار بنحو 11% خلال عام 2025، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات. ويُعزى هذا التراجع إلى إعادة تقييم المستثمرين لسياسات ترامب الاقتصادية، إضافة إلى رغبة واشنطن في إضعاف العملة لتعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية.
أسباب التباطؤ وتراجع الزخم الاقتصادي
ترتبط التحولات السابقة بمجموعة من العوامل الهيكلية والسياساتية التي أثرت بشكل مباشر على أداء الاقتصاد الأمريكي خلال العام الأول من رئاسة ترامب.
أولى هذه العوامل تتمثل في السياسة النقدية التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي. فخلال عام 2025، أقدم البنك المركزي الأمريكي على ثلاثة تخفيضات متتالية في أسعار الفائدة، في خطوة فسّرها كثير من المراقبين بأنها جاءت استجابة لضغوط سياسية من البيت الأبيض. هذا التوجه أثار جدلًا واسعًا حول مدى استقلالية الفيدرالي، خاصة أن معدلات التضخم لم تكن قد وصلت بعد إلى المستوى المستهدف البالغ 2%.
العامل الثاني يتمثل في سياسة الرسوم الجمركية التي أعاد ترامب توظيفها كأداة رئيسية في علاقاته التجارية مع العالم. فقد أدت هذه الرسوم إلى رفع تكلفة الواردات، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع داخل السوق الأمريكية، ليشعر المواطن العادي بزيادة الأعباء المعيشية. كما أن هذه السياسة أضعفت القاعدة الضريبية على المدى الطويل نتيجة تباطؤ النمو وتراجع النشاط التجاري مع بعض الشركاء الرئيسيين.
كما لعب تباطؤ نمو الدخل دورًا مهمًا في إضعاف القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي. فقد أظهرت بيانات اقتصادية أن نمو الدخول الحقيقية أصبح أبطأ من نمو الإنفاق الاستهلاكي، ما دفع الكثير من الأسر إلى الاعتماد على مدخراتها للحفاظ على مستوى معيشتها. وتراجع معدل الادخار إلى أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات، في مؤشر يعكس هشاشة الوضع المالي للأسر الأمريكية.
سيناريوهات محتملة لمستقبل الاقتصاد الأمريكي
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم عدد من السيناريوهات المحتملة لمسار الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار نهج الصدام الذي يفضله ترامب، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. داخليًا، قد تتواصل التخفيضات الضريبية والدعم المباشر لبعض القطاعات الصناعية، إلى جانب الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لمزيد من خفض الفائدة. وخارجيًا، قد تتصاعد الحرب التجارية مع الصين وشركاء آخرين، مع استخدام الدولار والعقوبات الاقتصادية كأدوات ضغط سياسي.
السيناريو الثاني يقوم على ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد النمو الانتقائي"، حيث تركز الإدارة الأمريكية دعمها على قطاعات محددة مثل الطاقة والدفاع والبنية التحتية. هذا التوجه قد يحقق مكاسب في بعض المناطق والقطاعات، لكنه في المقابل يعمّق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية والولايات المختلفة، ما يؤدي إلى نمو غير متوازن اقتصاديًا واجتماعيًا.
أما السيناريو الثالث فيرتبط باستمرار البحث عن موارد خارجية لتعزيز النفوذ الاقتصادي الأمريكي. ويظهر ذلك في اهتمام ترامب بالثروات الطبيعية في مناطق مختلفة من العالم، ومحاولاته توسيع النفوذ الأمريكي في مناطق غنية بالمعادن والطاقة، باعتبار هذه الموارد أدوات استراتيجية لدعم الاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.
اقتصاد على مفترق طرق
يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي بعد عام من رئاسة ترامب يقف عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، هناك سياسات تهدف إلى تحفيز النمو وتعزيز الصناعة الوطنية وتقوية النفوذ الاقتصادي الأمريكي. ومن جهة أخرى، هناك تحديات واضحة تتعلق بارتفاع العجز، وتزايد الضغوط التضخمية، وتباطؤ نمو الدخول، وتراجع الثقة في بعض السياسات الاقتصادية.
ويبقى المسار المستقبلي للاقتصاد الأمريكي مرهونًا بقدرة الإدارة على تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي من جهة أخرى، إضافة إلى كيفية إدارة علاقات الولايات المتحدة الاقتصادية مع العالم في مرحلة تتسم بتصاعد التنافس والصراعات الاقتصادية الدولية.