تحذير أمريكي من قيام حكومة عراقية واقعة تحت تأثير طهران.. تفاصيل
عاد ملف النفوذ الإيراني في العراق إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً، بعد تحذيرات صريحة أطلقتها واشنطن من مغبة تشكيل حكومة عراقية “تخضع لهيمنة طهران”، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية العراقية حراكاً مكثفاً لإعادة ترتيب التحالفات وتشكيل السلطة التنفيذية.
هذا التحذير الأمريكي لا يأتي في فراغ، بل يعكس صراعاً قديماً متجدداً حول مستقبل القرار العراقي وحدود التأثير الخارجي في بلد لا يزال يبحث عن توازن هش بين القوى الإقليمية والدولية.
التحذير الأميركي ورسائله السياسية
أكد مسؤولون أميركيون في تصريحات متفرقة أن الولايات المتحدة تتابع عن كثب تطورات المشهد السياسي في بغداد، وأنها “تدعم قيام حكومة عراقية مستقلة تعكس إرادة الشعب، لا إرادة أي قوة خارجية”. ورغم أن التصريحات لم تذكر إيران بالاسم في بعض الأحيان، فإن الرسالة كانت واضحة: واشنطن قلقة من عودة قوى سياسية مرتبطة بطهران إلى صدارة المشهد.
التحذير الأميركي يحمل أكثر من بعد. فهو من جهة رسالة ضغط على القوى السياسية العراقية التي تفاوض لتشكيل الحكومة، ومن جهة أخرى إشارة إلى طهران بأن نفوذها في بغداد بات محل مراقبة دولية متزايدة. كما يعكس هذا الموقف رغبة واشنطن في الحفاظ على الحد الأدنى من حضورها السياسي في العراق، بعد سنوات من التراجع النسبي.
المشهد العراقي بين الانقسام والتجاذب
تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه العراق من حالة انقسام سياسي مزمنة. فالخلافات بين الكتل الكبرى لم تعد مقتصرة على البرامج أو الرؤى الاقتصادية، بل باتت مرتبطة أيضاً بالاصطفافات الإقليمية. هناك قوى ترى في العلاقة الوثيقة مع إيران ضمانة لأمنها السياسي والعسكري، بينما ترفع قوى أخرى شعار “السيادة أولاً” وتطالب بتحجيم أي نفوذ خارجي، سواء كان إيرانياً أم أميركياً.
هذا الانقسام جعل من عملية تشكيل الحكومات المتعاقبة مساراً معقداً وطويلاً، تتحكم فيه التوافقات أكثر مما تحكمه نتائج الانتخابات. وفي كل مرة يتأخر فيها تشكيل الحكومة، تتزايد المخاوف الشعبية من أن يكون القرار العراقي رهينة صفقات تُعقد خارج الحدود.
إيران ونفوذ متجذر في المؤسسات
لا يمكن فهم التحذير الأميركي بمعزل عن واقع النفوذ الإيراني في العراق. فمنذ عام 2003، نجحت طهران في بناء شبكة علاقات واسعة مع أحزاب سياسية وفصائل مسلحة وشخصيات نافذة داخل الدولة. هذا النفوذ لم يعد يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى الاقتصاد والإعلام وحتى الحياة الاجتماعية.
بالنسبة لمنتقدي هذا الدور، فإن المشكلة لا تكمن في وجود علاقات طبيعية بين بلدين جارين، بل في تحوّل هذه العلاقات إلى أداة تأثير مباشر على القرار السياسي العراقي. هؤلاء يرون أن بعض القوى السياسية باتت تتحرك وفق أولويات إقليمية أكثر من تحركها وفق المصلحة الوطنية.
الموقف الشعبي بين الرفض والواقعية
في الشارع العراقي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فهناك شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً بين الشباب، ترفض بشكل قاطع أي هيمنة خارجية وتطالب بدولة قوية ذات سيادة كاملة. وقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في احتجاجات السنوات الأخيرة، التي رفعت شعارات ضد التدخلات الأجنبية بكل أشكالها.
في المقابل، هناك من يتعامل مع النفوذ الإيراني بوصفه “أمراً واقعاً” فرضته ظروف سياسية وأمنية معقدة، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون للاستقرار وتجنب العودة إلى الفوضى، حتى لو كان ذلك على حساب هامش من الاستقلال السياسي.
واشنطن وحدود التأثير
رغم لهجتها التحذيرية، تدرك واشنطن أن قدرتها على التأثير في الداخل العراقي لم تعد كما كانت في السابق. فالوجود العسكري الأميركي تقلّص، والنفوذ السياسي بات موزعاً بين قوى متعددة. كما أن التجربة الطويلة للتدخل الأميركي في العراق جعلت جزءاً من الرأي العام ينظر بريبة إلى أي موقف يصدر من واشنطن، حتى لو كان يتقاطع ظاهرياً مع مطالب السيادة الوطنية.
ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أوراق ضغط مهمة، سواء عبر علاقاتها مع بعض القوى السياسية، أو عبر الدعم الاقتصادي والدولي الذي يمكن أن توفره للعراق في ملفات حساسة مثل إعادة الإعمار والتعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
العراق ساحة صراع نفوذ إقليمي
القضية في جوهرها تتجاوز مجرد تحذير أميركي أو رد فعل إيراني. العراق تحول منذ سنوات إلى ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي، تتقاطع فيها مصالح واشنطن وطهران، إضافة إلى أطراف أخرى تراقب المشهد وتحاول اقتناص فرصها. هذا الواقع يضع الدولة العراقية أمام تحدٍّ كبير: كيف يمكن بناء قرار وطني مستقل في بيئة مليئة بالضغوط والتدخلات؟
بعض المراقبين يرون أن الحل يبدأ من الداخل، عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإصلاح النظام السياسي، وتقوية المؤسسات، بحيث تصبح أقل قابلية للاختراق الخارجي. من دون ذلك، ستبقى أي حكومة عرضة للاتهام بأنها واقعة تحت نفوذ هذه الجهة أو تلك.
حكومة تحت الاختبار
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة العراقية المقبلة أمام اختبار صعب. فهي مطالبة بإثبات استقلاليتها أمام شعبها أولاً، وأمام المجتمع الدولي ثانياً. أي انحياز واضح إلى محور خارجي سيعيد إنتاج الأزمة نفسها التي عاشها العراق في السنوات الماضية: أزمة ثقة، وأزمة شرعية، وأزمة سيادة.
التحذير الأميركي قد يكون جزءاً من لعبة سياسية أكبر، لكنه يسلّط الضوء على حقيقة لا يمكن تجاهلها: مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى على أساس التبعية. فالدولة التي أنهكتها الحروب والأزمات تحتاج اليوم إلى قرار وطني حر، يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، ويمنح العراقيين شعوراً بأن حكومتهم تمثلهم فعلاً، لا أنها انعكاس لصراعات الآخرين على أرضهم.