مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

مواجهة مفتوحة بين «دولة ترامب» والمجتمع الأمريكي.. تفاصيل

نشر
الأمصار

في خضم الاضطرابات التي تشهدها الساحة الدولية، تراقب موسكو المشهد الغربي بعين مختلفة: عين ترى في التناقضات الأميركية الأوروبية فرصة، وفي اندفاع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مادة خصبة لإعادة ترتيب موازين القوة. من منتدى دافوس إلى ملف غرينلاند، ومن أوكرانيا إلى مستقبل الناتو، بات واضحاً أن النخب الروسية لم تعد تكتفي برد الفعل، بل تبني قراءتها الاستراتيجية على قناعة أساسية: الخصم ينشغل بنفسه… وروسيا تحصد المكاسب.

دافوس بعيون روسية: الخصوم يتجادلون وموسكو تبتسم

لم تمرّ النقاشات الساخنة التي شهدها منتدى دافوس مرور الكرام في موسكو. بل على العكس، تعاملت معها النخب السياسية والإعلامية بوصفها دليلاً إضافياً على عمق الانقسام داخل المعسكر الغربي. فبينما انشغل الأوروبيون والأميركيون بسجالات حول مستقبل غرينلاند وحدود النفوذ الأميركي، رأت موسكو في ذلك تحولاً في الأولويات الدولية يصبّ مباشرة في مصلحتها.

بالنسبة لعدد من المعلقين الروس، لم يعد الملف الأوكراني يحتل الصدارة كما كان خلال العامين الماضيين. الاهتمام العالمي بدأ يتحول إلى مغامرات ترمب السياسية، وإلى توتر علاقاته مع حلفائه التقليديين، وهو ما اعتُبر في الكرملين مكسباً استراتيجياً غير مباشر.

ترمب في نظر موسكو: زعيم يبحث عن المجد الشخصي

قراءة موسكو لشخصية دونالد ترمب تتجاوز السياسة إلى التحليل النفسي. ففي تعليقات كثيرة صدرت عن سياسيين مقرّبين من الكرملين، يظهر ترمب بوصفه رئيساً يسعى إلى تخليد اسمه في التاريخ، حتى لو كان الثمن إرباك النظام الدولي. ديميتري مدفيديف، أحد أبرز الأصوات الروسية الصقورية، كتب بلهجة ساخرة أن ترمب يريد أن “يرسم غرينلاند بألوان العلم الأميركي” وأن يقف في مصاف الآباء المؤسسين.

لكن السخرية الروسية لا تعني القلق. على العكس، ثمة قناعة بأن اندفاع ترمب وقراراته غير المتوقعة يضعف صورة الولايات المتحدة كقائد مستقر للعالم الغربي، ويفتح الباب أمام قوى أخرى، وفي مقدمتها روسيا، لتعزيز موقعها.

غرينلاند… جزيرة باردة تشعل صراعاً ساخناً

ملف غرينلاند تحوّل إلى رمز لهذا الارتباك الغربي. فتصريحات ترمب حول رغبته في فرض السيطرة الأميركية على الجزيرة، سواء بالشراء أو بالضغط السياسي، فجّرت موجة اعتراض في أوروبا، ووضعت واشنطن في مواجهة محرجة مع حلفائها.

في موسكو، لم يُنظر إلى هذه الأزمة باعتبارها شأناً جغرافياً بحتاً، بل كدليل على تصدّع “التضامن الأطلسي”. فحين يختلف الأميركيون والأوروبيون علناً حول قضايا السيادة والحدود، فإن صورة المعسكر الغربي الموحد تتآكل، وهو بالضبط ما تراهن عليه الاستراتيجية الروسية منذ سنوات.

إعادة تفسير التاريخ والقانون الدولي

اللافت في الخطاب الروسي أنه لا يكتفي بانتقاد الغرب، بل يعيد صياغة المفاهيم نفسها. فعندما يتهم الغرب موسكو بانتهاك القانون الدولي في أوكرانيا، ترد النخب الروسية بأن الولايات المتحدة نفسها تضرب هذه القواعد عرض الحائط حين يخدم ذلك مصالحها، سواء في فنزويلا أو في غرينلاند.

هذا المنطق يسمح للكرملين بتقديم نفسه ليس فقط كقوة تدافع عن مصالحها، بل كطرف يفضح “ازدواجية المعايير” الغربية. وهو خطاب يجد صداه في كثير من دول الجنوب العالمي التي باتت تنظر إلى الصراع الدولي بعيون أقل انحيازاً للغرب.

مبدأ مونرو من جديد: طموح أميركي أم وهم سياسي؟

ضمن القراءة الروسية لتحركات ترمب، يبرز الحديث عن إحياء “مبدأ مونرو” القائم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خالصاً للولايات المتحدة. غير أن عدداً من المحللين الروس يرون أن هذا الطموح، وإن كان جذاباً لترمب سياسياً، غير قابل للتطبيق عملياً في عالم متعدد الأقطاب.

فالعالم اليوم لم يعد كما كان في القرن التاسع عشر. الصين حاضرة بقوة اقتصادياً، وروسيا عادت لاعباً عسكرياً وسياسياً مؤثراً، وقوى إقليمية عديدة ترفض الخضوع لهيمنة قطب واحد. من هذا المنطلق، ترى موسكو أن محاولات ترمب لفرض سيطرة أميركية مطلقة ستؤدي إلى مزيد من التوتر، وربما إلى نتائج عكسية تضعف واشنطن بدل أن تقوّيها.

أوروبا الحلقة الأضعف

أحد أبرز استنتاجات التحليل الروسي يتمثل في أن أوروبا هي الخاسر الأكبر من هذا المشهد. فالقارة تجد نفسها عالقة بين تبعيتها الأمنية لواشنطن وبين رغبتها في الحفاظ على استقلال قرارها السياسي. ومع كل أزمة جديدة يفتعلها ترمب، تتعمق هذه المعضلة.

من وجهة نظر موسكو، فإن هذا الارتباك الأوروبي يخلق فرصة لإعادة فتح قنوات تأثير قديمة، سواء عبر الطاقة أو الاقتصاد أو حتى عبر الخطاب السياسي الذي يروّج لفكرة أن أوروبا تدفع ثمن سياسات لا تصنعها بنفسها.

عالم يتغير على إيقاع الفوضى

الخلاصة التي تروج لها النخب الروسية بسيطة لكنها عميقة الدلالة: العالم يشهد مرحلة انتقالية، والنظام الدولي القديم يتفكك، بينما لم يتشكل بعد نظام جديد مستقر. في هذه المرحلة الرمادية، تتحول الأخطاء الأميركية والانقسامات الغربية إلى رصيد سياسي لموسكو.

ليست المسألة في نظر الكرملين مجرد متابعة ساخرة لتصرفات ترمب، بل هي جزء من رؤية أوسع تعتبر أن التاريخ يمنح روسيا فرصة جديدة لإعادة تثبيت موقعها كقوة كبرى. وبينما ينشغل الغرب بصراعاته الداخلية، تواصل موسكو بناء استراتيجيتها على مهل، واثقة بأن الزمن، هذه المرة، لا يعمل ضدها بل لصالحها.