ما دوافع روسيا من افتتاح سفارة لها في جزر القمر؟
في إطار تحرُّكها المتسارع لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في القارة الإفريقية، أعلنت روسيا، خلال عام 2025، عن نيتها افتتاح سفارة لها في جمهورية جزر القمر في عام 2026، بعد عقود من إدارة العلاقات الثنائية عبر سفارات غير مُقيمة. وتندرج هذه الخطوة ضمن إستراتيجية روسية أوسع لإعادة بناء النفوذ في إفريقيا، سواء عبر الأدوات الدبلوماسية التقليدية أو من خلال الشراكات الاقتصادية والثقافية؛ في ظل اشتداد التنافس الدولي على القارة السمراء.
وتُعد جزر القمر دولة صغيرة من حيث المساحة والإمكانات الاقتصادية، لكنها تحظى بأهمية جيوسياسية متزايدة بسبب موقعها الإستراتيجي في المحيط الهندي، بالقرب من قناة موزمبيق، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، خاصة لنقل الطاقة. كما ترتبط موروني وموسكو بعلاقات دبلوماسية تعود إلى عام 1976، شهدت خلال السنوات الأخيرة حالة من إعادة التنشيط، تمثّلت في مشاركات رسمية رفيعة المستوى، وافتتاح مركز ثقافي روسي في العاصمة القمرية، فضلًا عن تنسيق سياسي نسبي داخل المنظمات الدولية.
تأسيسًا على ما تَقَدَّم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: هل تنجح روسيا في افتتاح سفارة لها في جزر القمر بحلول عام 2026؟
دوافع متعددة
يحمل قرار روسيا بفتح سفارة لها في جزر القمر دوافع متعددة، تتمثل أبرزها في:
توسيع الخريطة الدبلوماسية الروسية في إفريقيا: تسعى موسكو إلى تعزيز وجودها الدبلوماسي في إفريقيا كأداة أساسية لمواجهة العُزلة السياسية التي فرضتها العقوبات الغربية. ويمثل افتتاح سفارة في جزر القمر حلقة جديدة في سلسلة التوسع الدبلوماسي الروسي، التي شملت خلال السنوات الأخيرة افتتاح أو إعادة تفعيل بعثات في دول إفريقية صغيرة ومتوسطة؛ بهدف بناء شبكة علاقات أوسع، وتكريس صورة روسيا كشريك بديل للغرب.
الموقع الجيوسياسي لجزر القمر في المحيط الهندي:
يحمل الموقع الجغرافي لجزر القمر قيمة إستراتيجية خاصة في الحسابات الروسية، إذ تقع الدولة الجزرية بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، ومسارات نقل الطاقة القادمة من الخليج نحو أوروبا وآسيا. وعلى الرغم من أن الوجود الروسي المرتقب يقتصر على البُعد الدبلوماسي، فإن هذا الحضور يتيح لموسكو نافذة مهمة لمتابعة التحولات الأمنية والاقتصادية في المحيط الهندي، الذي بات ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى.
تقليص الاعتماد القمري على الشركاء التقليديين:
من جانبها، ترى جزر القمر في التقارب مع روسيا فرصة لتقليص الاعتماد التاريخي على فرنسا والاتحاد الأوروبي، وتوسيع هامش المناورة في سياستها الخارجية. ويمنحها الانفتاح على موسكو إمكانية الحصول على دعم سياسي في المحافل الدولية، إلى جانب فرص محتملة للتعاون في مجالات التعليم، والصحة، والطاقة، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات التنموية.
البُعد الثقافي والتعليمي كمدخل للتقارب:
تعتمد روسيا بشكل متزايد على أدوات القوة الناعمة لتعزيز حضورها في إفريقيا، ومن بينها المنح الدراسية، والتبادل الثقافي، ودعم اللغة الروسية. ويمثل افتتاح سفارة في جزر القمر إطارًا مؤسسيًا ضروريًا لتفعيل هذه الأدوات، وتحويل التقارب السياسي إلى علاقات مجتمعية طويلة الأمد.
تحديات واردة
لم يكن مشروع موسكو بفتح سفارة في جزر القمر خاليًا من التحديات، فنجد:
المنافسة الدولية والضغوط غير المباشرة:
يُعد التنافس الدولي أبرز التحديات التي تواجه مشروع السفارة الروسية، إذ تنظر فرنسا إلى جزر القمر باعتبارها جزءًا من مجال نفوذها التقليدي في المحيط الهندي، بينما تتابع الولايات المتحدة الأمريكية أي تحركات روسية جديدة في المنطقة بحذر. وقد تمارس هذه القوى ضغوطًا سياسية أو اقتصادية غير مباشرة على موروني؛ بهدف الحد من تسارع التقارب مع موسكو.
حسابات جزر القمر وتوازن السياسة الخارجية:
تتبنى القيادة القمرية سياسة خارجية قائمة على التوازن، وتسعى إلى تجنب الاصطفاف الواضح مع أي محور دولي. ومن ثم، قد تُفضِّل موروني إدارة التقارب مع روسيا بحذر، عبر خطوات تدريجية لا تثير حساسية الشركاء الغربيين أو الإقليميين، وهو ما قد ينعكس على توقيت أو شكل افتتاح السفارة.
القيود الاقتصادية والإدارية الروسية:
تعاني روسيا من ضغوط مالية متزايدة بفعل العقوبات الغربية واستنزاف الموارد في ملفات خارجية متعددة، وهو ما يفرض أولويات صارمة على الإنفاق الدبلوماسي. وقد يدفع ذلك موسكو إلى تأجيل افتتاح السفارة بشكل كامل، أو الاكتفاء ببعثة دبلوماسية صغيرة في المرحلة الأولى، قبل الانتقال لاحقًا إلى تمثيل أوسع.
سيناريوهات محتملة
افتتاح سفارة مكتملة الأركان بحلول 2026:
يفترض هذا السيناريو نجاح موسكو في تجاوز الضغوط الدولية، وتوافر إرادة سياسية قوية لدى الطرفين. ويعكس هذا المسار رغبة روسية واضحة في ترسيخ حضور طويل الأمد في المحيط الهندي، مع استعداد لتحمل التكاليف السياسية والمالية المصاحبة.
الافتتاح التدريجي أو التمثيل المحدود:
يُرجِّح هذا السيناريو أن تبدأ روسيا ببعثة دبلوماسية صغيرة أو مكتب تمثيلي، تمهيدًا لافتتاح سفارة كاملة لاحقًا. ويُعد هذا الخيار الأكثر واقعية في ضوء التحديات الحالية، إذ يسمح لموسكو بتثبيت حضورها دون إثارة حساسيات دولية حادة.
تأجيل المشروع إلى ما بعد 2026:
يفترض هذا السيناريو تصاعد الضغوط الغربية أو تفاقم القيود المالية الروسية، ما يدفع موسكو إلى تأجيل افتتاح السفارة. وفي هذه الحالة، قد تستمر العلاقات عبر القنوات غير المُقيمة، مع الحفاظ على مستوى محدود من التعاون السياسي.
ختامًا، تظل فرص نجاح روسيا في افتتاح سفارة لها في جزر القمر بحلول 2026 قائمة، لكنها ليست مضمونة. فالخطوة مرهونة بقدرة موسكو على إدارة التنافس الجيوسياسي في المحيط الهندي، وبمدى استعداد جزر القمر لتَحَمُّل تبعات هذا التقارب. ومع ذلك، تعكس هذه الخطوة دلالة أوسع على التحولات الجارية في خريطة النفوذ الدولي في إفريقيا، حيث باتت الدول الصغيرة تلعب أدوارًا أكبر في حسابات القوى الكبرى