مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ليبيا بين النفط والسلطة.. جذور الأزمة الاقتصادية والسياسية المستمرة

نشر
الأمصار

تواصل ليبيا معاناتها من أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع الانقسامات السياسية، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، رغم محاولات تقاسم السلطة والثروة بين الأطراف المتنازعة، وهو استقرار يصفه خبراء بأنه مؤقت وقابل للانهيار في أي لحظة.

ورغم نجاح الأطراف الليبية المتصارعة في تجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة خلال فترات متقطعة، فإن هذا التوازن الهش لم يعالج جذور الأزمة، بل رسّخ واقعًا اقتصاديًا وسياسيًا مأزومًا، بات يهدد الاستقرار المالي والاجتماعي للدولة الليبية.

وبحسب تقديرات خبراء تابعين للأمم المتحدة، بلغ العجز المالي الفعلي في ليبيا خلال عام 2024 أكثر من 10.4 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل تصاعد معدلات الفساد داخل بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، وارتفاع الإنفاق العام دون ضوابط واضحة.

وحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن استمرار هذا المسار يمثل خطرًا جسيمًا على الاستقرار المالي والاقتصادي في ليبيا، مؤكدين أن غياب الإصلاحات الهيكلية يعمّق الأزمة بدل احتوائها، خاصة في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات النفط والغاز.

ويشير مراقبون إلى أن أي اضطراب مفاجئ في أسعار النفط أو تراجع في الإنتاج قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية عنيفة، تؤثر مباشرة على قدرة الحكومة الليبية على دفع رواتب القطاع العام، وتمويل المشروعات الخدمية والتنموية، في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية تحول دون التوافق على مسار انتخابي واضح ينهي حالة الانقسام.

وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي الليبي عمر الجبالي العبيدي إن «الأزمة الليبية الراهنة ليست حدثًا عابرًا أو نتيجة ظرف طارئ، بل هي حصيلة تداخل مزمن بين هشاشة البنية الاقتصادية والانقسام السياسي العميق».

وأوضح الجبالي، في تصريحات صحفية، أن اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على النفط جعله اقتصادًا ريعيًا هشًا، غير قادر على خلق فرص عمل مستدامة أو امتصاص الصدمات الخارجية، ما فتح الباب واسعًا أمام الفساد وسوء توزيع الثروة.

وأضاف أن الريع النفطي استُخدم أداة للصراع السياسي، حيث جرى توظيف الموارد المالية لخدمة مصالح أطراف بعينها، بدل توجيهها للاستثمار في البنية التحتية أو تحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.

من جهة أخرى، ساهم الانقسام السياسي المستمر بين حكومتين متنافستين ومجلسين تشريعيين في ازدواجية القرار، وتضارب السياسات المالية والنقدية، ما أدى إلى تعطيل أي محاولة جادة للإصلاح الاقتصادي أو توحيد المؤسسات السيادية.

وأشار الجبالي إلى أن محاولات ضبط الميزانية أو إعادة هيكلة الدعم كانت تصطدم دائمًا بصراع النفوذ والفساد المستشري، ما أسفر عن حالة شلل مؤسسي انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين.

وفي السياق ذاته، يرى المحلل الاقتصادي الليبي أحمد محمد أن التركيز على خفض الإنفاق الحكومي كحل وحيد للأزمة الاقتصادية يُعد طرحًا قاصرًا، لأنه يتجاهل طبيعة الاقتصاد الليبي وبنيته الهشة.

وأوضح أن المشكلة لا تكمن في حجم الإنفاق بحد ذاته، بل في غياب التنوع الاقتصادي، وضعف القدرة الإنتاجية، واعتماد الدولة المفرط على الريع النفطي، ما يجعل أي خفض مفاجئ للإنفاق محفوفًا بالمخاطر الاجتماعية والاقتصادية.

وأكد محمد أن الخروج من الأزمة يتطلب مشروعًا وطنيًا متكاملًا يعيد توحيد السلطة، ويصلح المنظومة الاقتصادية، ويفصل إدارة المال العام عن الصراعات السياسية، وهو مسار بالغ الصعوبة في ظل وجود أطراف مستفيدة من استمرار الوضع القائم.

ويجمع خبراء على أن أي حلول جزئية أو مؤقتة لن تكون كافية، ما لم تُعالج جذور الأزمة الليبية التي تجمع بين النفط والسلطة في معادلة معقدة، يدفع المواطن الليبي ثمنها يوميًا في صورة تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وتدهور مستوى الخدمات.