مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

كيف تقود واشنطن النظام الدولي الجديد بعد طرح مجلس السلام العالمي؟

نشر
الأمصار

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ مطلع هذا العام جدلًا عالميًا عبر دعوته أو مبادرته بخصوص إنشاء ما يُعرف بـ"مجلس السلام" (Board of Peace)، ففي البداية تم طرح فكرة هذا المجلس كهيئة لإدارة ما بعد الحرب في قطاع غزة ثم تم توسيع دوره المحتمل ليكون كيانًا دوليًا لحل النزاعات في العالم، ونتيجة لذلك تزايدت تداعيات هذه المبادرة، بحيث لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد لتشمل أساسيات العلاقات الدولية والسيادة الوطنية والنظام القانوني الدولي، وهو ما يجعل فهم خلفياتها وتحليلها السياسي أمرًا ضروريًا.

وفي هذا السياق، تٌثار العديد من التساؤلات مثل: كيف تطورت فكرة "مجلس السلام" باعتبارها فكرة أمريكية خالصة؟ ما مدى شرعية هذا المجلس مقارنة بالأمم المتحدة؟ وما مدى قدرته على أداء وظائف الأمم المتحدة وهل يمكنه أن يحل محلها؟ وما انعكاسات هذا التوجه على النظام الدولي القائم؟ وهل نتجه نحو نظام عالمي جديد؟

تطور فكرة "مجلس السلام"

أُعلن عن مشروع "مجلس السلام" في سياق خطة ترامب للسلام في غزة، وجاء جزءًا من قرار رقم 2803 لمجلس الأمن الدولي والذي يُتبنى تشكيل هذا المجلس كمكون من خطة وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار في غزة، وبالتالي تحدد الغرض المعلن لهذا المجلس في البداية بإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الاستقرار في غزة، بالتعاون مع دول وشخصيات دولية، ثم أفادت تقارير عالمية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يسعى لتوسيع دور هذا المجلس ليشمل نزاعات عالمية أخرى، خارج نطاق غزة، وهو ما يتأكد في ضوء توجيه دعوات أمريكية لما يقرب من 60 دولة للانضمام إلى المجلس.

ويتضح مما سبق أن فكرة مجلس السلام ظهرت ضمن محاولات ترامب لإرساء تسوية سياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأُعلِن عن المجلس رسميًا ضمن تصريحات البيت الأبيض قبل توقيع ميثاقه في دافوس بعد توسيع دوره ليشمل تسوية نزاعات أخرى حول العالم.

وبحسب الوثائق المتاحة، يُفترض أن يتولى مجلس السلام الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، والمساهمة في تثبيت الهدنة وإعادة الإعمار، وتم توسيع دوره ليتجاوز ذلك ليمتد إلى أدوار دولية أكبر تشمل ضمان السلام الدائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات.

تجاوز التفويض

يُعرف الميثاق "مجلس السلام" كـ"منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات"، ويتمثل الهدف المعلن لمجلس السلام -وفقًا للإعلان الرسمي- في إدارة المرحلة الانتقالية في غزة بعد وقف إطلاق النار، وتثبيت الاستقرار على الأرض، وإعادة إعمار القطاع، لكن ميثاق هذا المجلس يشير إلى دور أكثر طموحًا يتجاوز غزة ليشمل مهامًا في إدارة النزاعات دوليًا، ما يعكس طموح واشنطن في إعادة صياغة دورها القيادي في النظام الدولي، ربما كبديل عن المؤسسات الدولية القائمة مثل الأمم المتحدة، ويتأكد ذلك في ضوء ما صرح به ترامب نفسه بشأن إمكانية أن يحل "مجلس السلام" محل الأمم المتحدة في المستقبل، إذ وصف المنظمة الدولية بأنها "لم تكن مفيدة للغاية" في حل النزاعات الكبرى.

مسائل أو شروط مثيرة
 يضع الميثاق شروط مثيرة للجدل، مثل دفع مبلغ مليار دولار للحصول على مقعد دائم في المجلس، فهذا المطلب أو الاشتراط المالي للمقاعد الدائمة، يضع المجلس في مسار نادٍ للمال والنفوذ أكثر من كونه هيئة دولية متعددة الأطراف، فوفقًا لميثاق مجلس السلام، يمكن التمييز بين عضوية الدول فيه على النحو التالي:
عضوية محددة بمدة ثلاث سنوات: لكل دولة تنضم للمجلس مدة عضوية أولية لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ نفاذ الميثاق، قابلة للتجديد بناءًا على قرار الرئيس.

(*) العضوية الدائمة غير المقيدة بالمدة: متاحة للدول التي تسهم بأكثر من مليار دولار أمريكي نقدًا في العام الأول لدخول الميثاق حيز التنفيذ.
وتمتد هذه المسائل أو الشروط المثيرة إلى الدور القيادي وصلاحيات رئيس مجلس السلام، فترامب يُعرّف نفسه كـ"الرئيس الأول للمجلس" مع صلاحيات واسعة تشمل: اتخاذ القرار النهائي في توجيه دعوات الانضمام إلى المجلس، والموافقة أو رفض قرارات المجلس حتى لو اتُخذت بالأغلبية، وتحديد جدول أعمال المجلس وعملياته التنفيذية، وتمتلك رئاسة المجلس صلاحيات مؤثرة في توجيه قراراته، بما في ذلك الحق في الفيتو أو التفويض النهائي لأهم القرارات، وذلك على الرغم من أن القرارات الأساسية للمجلس سوف تُتخذ بالأغلبية (واحد صوت لكل دولة عضو).

هل يمكن أن يحل "مجلس السلام" محل الأمم المتحدة؟

يُنظر لمجلس السلام في بعض التحليلات كهيئة دولية جديدة تتجه لتولي مهام تقليدية للأمم المتحدة، خصوصًا في مجالات حفظ السلام وحل النزاعات، وهذا التوسع الطموح في الدور، يضع المجلس في موضع تحدي لمنظمة الأمم المتحدة، وهو ما أشارت إليه تحليلات دولية، وهناك اقتراحات لهياكل عضوية محددة بشروط مالية وإستراتيجية، مثل طلب مبلغ مالي كبير لضمان بقاء العضوية الدائمة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا.

وتعتمد الأمم المتحدة كمؤسسة دولية على الشرعية القانونية المستمدة من معاهدة دولية لإنشائها منذ 1945، بينما مجلس السلام لا يزال مشروعًا وليدًا لا تحكمه معاهدة مماثلة، فالمجلس الجديد لا يمتلك عضوية إجبارية لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولا يشمل آليات واضحة لإلزام القرارات، ورغم طموح ترامب بشأن هذا المجلس لا يوجد حتى الآن إجماع دولي واسع يضاهي دعم الأمم المتحدة.

تحفظات وتحديات عديدة

ظهرت تحفظات واسعة من دول كبرى إزاء مشروع "مجلس السلام"، وعبرت فرنسا والعديد من الدول الأوروبية عن شكوكها وحتى رفضها للمبادرة باعتبارها تمس دور الأمم المتحدة وتعيد تشكيل النظام الدولي.

أما الدول غير الغربية الكبرى، مثل الصين وروسيا، فتلقت الدعوات لكنها لم تتخذ مواقف تأييد رسمية حتى الآن، وكذلك فعلت كندا وإيطاليا اللتين تتبنيان موقفًا حذرًا قيد الدراسة، وهو الأمر الذي يؤكد على الحذر الدولي على المشاركة في عضوية هذا المجلس
لذلك تمثل مبادرة إنشاء "مجلس السلام" اختبارًا للنظام الدولي متعدد الأطراف، فقد تؤدي إلى انقسامات بين الدول المؤيدة والمعارضة، والخطر الكامن لهذه المبادرة أنها قد تفضي إلى نظام جديد من صنع قرار عالمي يهيمن عليه فاعلون معينون على حساب الكيانات الدولية التقليدية.

فالنظام الدولي الحالي يستند إلى منظمة الأمم المتحدة ومبادئها (السيادة وعدم التدخل والعدالة الدولية). ويمثل إنشاء مجلس السلام محاولة جديدة من جانب واشنطن لإنشاء "أمم متحدة جديدة" تحت قيادة دولة واحدة قد يضعف من التزام الدول بمبادئ القانون الدولي، ويؤدي إلى تسييس عملية صنع القرار في القضايا الحساسة.

وفي النهاية

يمكن القول إن "مجلس السلام" الذي أطلق ترامب مبادرته، بدأ كآلية لإدارة غزة ونتيجة قرار مجلس الأمن الدولي ثم اتجه نحو فكرة عالمية لحل النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، وهو توجه أثار جدلاً واسع النطاق في العالم خلال الأيام الأخيرة. ويمكن اعتبار هذا المجلس خطوة إستراتيجية تتجاوز الإطار التقليدي للمبادرات الدبلوماسية عبر إعادة إنتاج نظام عالمي جديد يضع الولايات المتحدة في موقع المحور الرئيسي لصنع السلام العالمي، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر كبيرة للاعتراف الدولي والشرعية القانونية. فبينما يرى مؤيدوه أن هذا المجلس يمكن أن يحقق تثبيتًا واقعيًا للهُدنة في غزة وتقدّمًا في إدارة النزاعات المتعددة في المستقبل، فإن منتقديه يحذرون من أنه قد يمنح قوة استثنائية لواشنطن، يُضعف دور الأمم المتحدة ويكرّس نظامًا عالميًا جديدًا أقل تعددية وأكثر تركيزًا في يد بعض الفاعلين الأقوياء.