الأهداف الاقتصادية لاستيلاء ترامب على جرينلاند.. تفاصيل
يتصاعد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول جزيرة جرينلاند في الفترة الحالية، إذ اعتبرها ذات أهمية بالغة لأمن الولايات المتحدة، بل وضرورية للأمن القومي العالمي.
وأوضح أنه لا أحد يستطيع حمايتها، وأنه سيتحدث عنها في منتدى دافوس الذي انطلق أمس الإثنين، الأمر الذي يُشير إلى أن ترامب يضع هذه الجزيرة ضمن أولويات أهدافه، ما يرجع بشكل أساسي إلى تحقيق عوائد اقتصادية، تنعش الخزانة الأمريكية.
ومن الجدير بالذكر هنا أن جزيرة جرينلاند ليست غنية بالمعنى التقليدي، فاقتصادها صغير يعتمد على مصائد الأسماك، ويعتمد بشكل أساسي في معيشته على منحة سنوية من الدنمارك تبلغ نحو 3.9 مليار كرونة دنماركية، أي ما يُعادل نحو 9000 يورو للفرد سنويًا، وفقًا للبنك الدولي يُقدر الناتج المحلي الإجمالي لجرينلاند بنحو 3.5 إلى 4 مليار دولار "3.2 إلى 3.7 مليار يورو"، لكن إذا تم استغلال الثروات المدفونة تحت طبقات الجليد بشكل كفء ستحوله إلى اقتصاد إنتاجي غني.
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على الثروات الاقتصادية في جزيرة جرينلاند، مع توضيح انعكاسات سيناريو استيلاء ترامب عليها.
أطماع اقتصادية
إن جزيرة جرينلاند مليئة بالثروات الاقتصادية التي تجعلها مطمعًا اقتصاديًا إستراتيجيًا لترامب، وهي كالتالي:
غنية بالثروات الطبيعية: تُعد جزيرة جرينلاند أكبر جزيرة على وجه الأرض، كما أنها غنية بالمواد الخام بالغة الأهمية، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة الضرورية للتقنيات الخضراء كما يوضح الشكل (1)، وفي هذا النطاق تُشير التقييمات الحديثة إلى وجود مجموعة واسعة من المواد الخام الحيوية المُعرفة دوليًا في جرينلاند، ومن بين هذه التقييمات تقييم أجراه مركز الموارد والمواد المعدنية التابع لهيئة المسح الجيولوجي والجغرافي في جرينلاند D-MIC، الذي أظهر أن 24 مادة من أصل 34 مادة خام حيوية مُدرجة على قائمة المواد الخام الحيوية للاتحاد الأوروبي موجودة في جرينلاند.
وإضافة إلى ذلك توجد احتمالات كبيرة بأن هناك مخزونات هائلة من الموارد غير المستكشفة تحت الجليد، فالمساحة الخالية من الجليد لا تُشكل سوى خُمس مساحة الجزيرة الإجمالية.
الحصول على النفط والغاز: تحتوي جزيرة جرينلاند على كميات هائلة من الهيدروكربونات، بما فيها النفط والغاز الطبيعي، ما حفَز إجراء أبحاث مكثفة من قبل الدنمارك والولايات المتحدة حول الجدوى التجارية والبيئية لأنشطة جديدة كالتعدين، وتُشير تقديرات هيئة المسج الجيولوجي للدنمارك وجرينلاند إلى أن المناطق البرية في شمال شرق جرينلاند، تحتوي على ما يُعادل 31 مليار برميل من النفط، ما يُقارب إجمالي الاحتياطيات المؤكدة للولايات المتحدة الأمريكية.
فضلًا عن أن هناك تقديرات سابقة بأن الأحواض البحرية في جرينلاند تحتوي على ما يصل 17.5 مليار برميل من النفط، و148 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفي تقرير الشركة الاستشارية العالمية الرائدة في قطاع الطاقة Sproule ERCE لعام 2025 تم تحديد أكثر من 13 مليار برميل من موارد النفط القابلة للاستخراج "P10".
ووفقًا لتقديرات دراسة نشرها منتدى العمل الأمريكي "AAF"، فإن القيمة الجيولوجية الخام للموارد المعدنية المعروفة في جرينلاند قد تتجاوز نظريًا 4 تريليونات دولار "3.66 تريليون يورو"، إلا أن جزءًا ضئيلًا من هذه القيمة "نحو 186 مليار دولار" يُعتبر قابلًا للاستخراج بشكل واقعي في ظل ظروف السوق واللوائح والتقنيات الحالية.
الموقع الجغرافي المُتميز: تحتل جزيرة جرينلاند موقعًا إستراتيجيًا بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وبالتالي تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، موطن لقاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تُدعى قاعدة "ثول الجوية"، التي تُعد حجر الزاوية لأنظمة الإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية الأمريكية، كما أن موقعها يُمكن الولايات المتحدة من فتح ممرات ملاحية جديدة مع ذوبان الجليد تكون بديلة لقناة بنما.
انعكاسات مُحتملة
إن سيناريو استيلاء ترامب على جزيرة جرينلاند سيحمل العديد من الانعكاسات، تتمثل في:
(-) تقليل هيمنة الصين على سوق العناصر الأرضية النادرة: إن الاستيلاء الأمريكي على جرينلاند سيعطي للولايات المتحدة الأمريكية هيمنة جزئية على سوق العناصر الأرضية النادرة، ما يُقلل الهيمنة الصينية على السوق العالمي التي تُقدر بنحو 90%.
فمن المتوقع أن تمتلك جرينلاند احتياطيات كافية تحت الجليد من الديسبروزيوم والنيوديميوم تُلبي أكثر من ربع الطلب العالمي المتوقع مستقبلًا، أي ما يُقارب 40 مليون طن، إذ تُعد هذه العناصر من أهم العناصر الأرضية من الناحية الاقتصادية، نظرًا لدورها المحوري في طاقة الرياح، المحركات الكهربائية للنقل البري النظيف، والمفاعلات النووية
ومن ناحية أخرى؛ فإن تطوير رواسب معروفة مثل مشروع كفانيفيلد في جنوب جرينلاند، قد يؤثر بشكل أساسي على سوق العناصر الأرضية النادرة العالمي، نظرًا لندرتها النسبية على مستوى العالم، فهذا المشروع يحتوي على أكبر رواسب العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم في العالم، التي تُعد إستراتيجية لصناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.
تدهور العلاقات الأمريكية الأوروبية: أعلنت الدنمارك، إلى جانب دول الناتو الأخرى، تعزيز وجودها العسكري في جرينلاند ومحيطها، عقب تصريحات ترامب عنها، وفي هذا الإطار أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في منشور على منصة "إكس"، إلى أنه ستقوض الرسوم الجمركية العلاقات عبر الأطلسي، كما تُنذر بحدوث دوامة تراجع خطيرة، وستظل أوروبا موحدة ومنسقة وملتزمة بدعم سيادتها، الأمر الذي يوضح أن استيلاء ترامب بالقوة على جرينلاند سيُعقد العلاقات التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفي 17 يناير 2026، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، ستدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير المقبل، على أن ترتفع إلى 25% في يونيو، إلى حين التوصل إلى اتفاق للشراء الكامل لجرينلاند، الأمر الذي يوضح أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من الحروب التجارية.
وهو ما سيترتب عليه تعقُد سلاسل الإمداد العالمية، فالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية يُمثلان معًا 30% من التجارة العالمية في السلع والخدمات، و43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفي عام 2024 تجاوز حجم التجارة عبر الأطلسي في السلع والخدمات 1.68 تريليون يورو.
تباطؤ النمو العالمي: إن استيلاء ترامب على جرينلاند يخلق العديد من التوترات التجارية بين فواعل أساسية في السوق التجارية العالمية، ومن هنا حذّر صندوق النقد الدولي من مخاطر التوترات التجارية على النمو العالمي.
ووفقًا للشكل (2) يتضح أن النمو العالمي تأثر بشكل نسبي بالتوترات الجيوسياسية التي حدثت في العالم بعد تعافيه عام 2021، إذ استمر في الانخفاض إلى 2.8% في 2025، وتذهب توقعات البنك الدولي إلى أنه سينخفض إلى 2.6% عام 2026، قبل أن يرتفع قليلًا إلى 2.7% عام 2027.