كواليس القرار الأمريكي بشأن إيران.. مطالب عربية بعدم الضرب ودعوات إسرائيلية للتريث
لحظة إقليمية شديدة التعقيد تُخيّم على دوائر صُنّع القرار في «واشنطن»، حيث تتزاحم الخيارات العسكرية والدبلوماسية على وقع تصعيد مُتسارع في «الملف الإيراني». خلف الأبواب المُغلقة، تتحرّك عواصم عربية بثُقل سياسي واضح لثني الإدارة الأمريكية عن خيار الضربة، مُحذّرة من تداعيات انفجار إقليمي واسع، بينما تُصدر من «تل أبيب» إشارات لافتة تدعو إلى التريث وتأجيل أي خطوة قد تفتح أبواب مواجهة غير محسوبة العواقب. وبين ضغط الحلفاء ومخاوف الانزلاق إلى حرب مفتوحة، يظلّ «القرار الأمريكي» مُحاصرًا بحسابات دقيقة تتجاوز حدود إيران إلى استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
قرار أمريكي مُعقّد
هذه التحركات المُتزامنة تعكس حجم «القلق الإقليمي» من أي انزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة، في ظل تقديرات تُشير إلى أن ضربة أمريكية «مُحتملة» قد تُفجّر سلسلة ردود فعل تتجاوز حدود إيران لتطال مصالح وقواعد وحلفاء واشنطن في المنطقة. كما تُظهر الكواليس أن الدعوات الإسرائيلية للتريث لا تنبع فقط من حسابات عسكرية، بل من مخاوف سياسية وأمنية أوسع تتعلق بتوقيت التصعيد وكلفته، وهو ما يُعقّد المشهد أمام «الإدارة الأمريكية»، ويجعل خيار الحسم العسكري محفوفًا بمخاطر استراتيجية غير مسبوقة.
وفي هذا الصدد، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن رئيس وزراء إسرائيل، «بنيامين نتنياهو»، طلب من الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب» تأجيل توجيه ضربة لإيران، مُوضحة أن «دول عربية طلبت من واشنطن الامتناع عن ذك».
تريث إسرائيلي لافت
ذكر مسؤول أمريكي رفيع، يوم الخميس، لـ«نيويورك تايمز»، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس ترامب تأجيل أي خطط لهجوم عسكري أمريكي على إيران، «حتى ولو كانت الحكومة الإيرانية لا تزال تُواجه احتجاجات شعبية».
وتحدث نتنياهو مع ترامب، يوم الأربعاء، وهو اليوم نفسه الذي قال فيه الرئيس الأمريكي إنه تلقى معلومات من «مصادر مُهمة جدًا على الجانب الآخر» تُفيد بأن «إيران توقفت عن قتل المتظاهرين ولن تمضي قُدمًا في عمليات الإعدام». وبدا ذلك بمثابة إشارة إلى أن ترامب يتراجع عن هجوم أمريكي مُحتمل على إيران، وهو الأمر الذي كان يزنه منذ أيام.
ومع ذلك، أرسل «ترامب» إشارة غامضة مُماثلة في يونيو الماضي، حتى بعد أن كان قد حسم أمره إلى حد بعيد، بإصدار أمر بمهاجمة إيران. ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤول أمريكي رفيع قوله: إن «ترامب لم يستبعد الخيارات العسكرية التي قدمها قادته في الأيام الأخيرة، وإن إصدار أمر بالهجوم من عدمه يعتمد على ما ستفعله الأجهزة الأمنية الإيرانية بعد ذلك في ما يتعلق بالاحتجاجات الحاشدة».
رسالة عربية مُوحّدة
صرّح مسؤول من دولة عربية خليجية للصحيفة، بأن قطر والسعودية وعمان ومصر، وجميعهم شركاء لواشنطن، طلبوا أيضًا من إدارة ترامب عدم مهاجمة إيران.
وأوضح المسؤول، أن كبار المسؤولين من تلك الدول اتصلوا بمسؤولين أمريكيين حاملين هذه الرسالة خلال اليومين الماضيين، وأخبروا الأمريكيين أن أي هجوم أمريكي قد يُؤدي إلى «صراع إقليمي أوسع».
وفي الوقت نفسه، أشار المسؤول إلى أن تلك الدول العربية كانت تُبلغ المسؤولين الإيرانيين بعدم مهاجمة دول المنطقة إذا قررت الولايات المتحدة ضرب إيران، مُضيفًا أن الدول الأربع قامت بتنسيق رسائلها لكل من واشنطن وطهران. كما صرّح دبلوماسيان في المنطقة بأن «عدة دول عربية ضغطت على إدارة ترامب لعدم مهاجمة إيران».
من جهته، قال عادل الجبير، وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، في منتدى للمعادن في الرياض، عاصمة المملكة: «نحن نُؤمن بالحوار ونُؤمن بحل أي خلافات على طاولة المفاوضات».
وكانت «إيران» قد أمرت بإغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات التجارية في وقت متأخر من يوم الأربعاء، لكنها أعادت فتحه لاحقًا.
ويضع المسؤولون الأمريكيون في حسبانهم سيناريو ردّ إيراني مُحتمل يستهدف أصولًا عسكرية أمريكية في المنطقة، وعلى رأسها «القاعدة الجوية في قطر»، إضافة إلى القوات المنتشرة في العراق وسوريا، مع ترجيحات بأن تشمل الضربات أهدافًا داخل إسرائيل.
قرار عالق بين الضغوط
في نهاية المطاف، يبدو «القرار الأمريكي بشأن إيران» عالقًا بين تحذيرات عربية من انفجار إقليمي شامل، ودعوات إسرائيلية للتريث تحسبًا لكُلفة المواجهة وتوقيتها، بينما تُدرك «واشنطن» أن أي خطوة غير محسوبة قد تُعيد رسم خرائط النفوذ والأمن في الشرق الأوسط لسنوات مُقبلة. وبين خيار الردع وخيار الاحتواء، يبقى السؤال مفتوحًا: «هل تُغامر الإدارة الأمريكية بتغيير قواعد اللعبة، أم تُفضّل إدارة الصراع عند حافة الهاوية دون القفز إلى قلبها؟»