سوريا تعلن مناطق جديدة مغلقة عسكريًا.. دوافع أمنية وأبعاد إنسانية وسياسية
يعد إعلان مدن سورية كمناطق عسكرية مغلقة واقعًا معقدًا لا يزال يطبع المشهد السوري، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الإنسانية والسياسية.
وبينما تراهن السلطات على هذه الإجراءات لضبط الأوضاع، يبقى نجاحها مرهونًا بقدرتها على تقليل انعكاساتها السلبية على المدنيين، وفتح مسارات موازية لتحقيق استقرار مستدام يتجاوز الحلول العسكرية المؤقتة.

إعلان مدن سورية مناطق عسكرية مغلقة: دلالات أمنية وتداعيات إنسانية وسياسية
بعد أن أعلنت السلطات السورية، خلال الفترة الأخيرة، تصنيف عدد من المدن والمناطق الحيوية باعتبارها مناطق عسكرية مغلقة، في خطوة تعكس تصاعد التحديات الأمنية واستمرار حالة عدم الاستقرار في بعض الجغرافيا السورية، رغم مرور سنوات على انحسار المعارك الواسعة النطاق.

وجاء القرار في ظل توترات أمنية متزايدة، شملت تحركات لمجموعات مسلحة، وعمليات استهداف متفرقة، إلى جانب مخاوف من اختراقات أمنية في مناطق يُنظر إليها على أنها حساسة عسكريًا أو استراتيجية من حيث الموقع والرمزية.
هذا التطور، الذي يأتي بعد انسحاب قسد من حلب، أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل اتفاق 10 مارس، وحدود السيطرة والنفوذ بين دمشق وقسد، واحتمالات انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع في غرب وربما شرق الفرات.
وتشهد مدينة حلب اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش السوري وقوات قسد منذ أكثر أسابيع راح ضحيتها عشرات الأشخاص بين قتيل وجريح من الطرفين بينهم نساء وأطفال.
والشهر الماضي، أعلنت كل من وزارة الدفاع السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وقف إطلاق النار في مدينة حلب شمال سوريا، بعد ساعات من اندلاع اشتباكات أسفرت عن وقوع ضحايا من الطرفين وعدد من المدنيين.
الدوافع الحقيقية هذا وراء الإعلان
بحسب مصادر رسمية، يهدف إعلان بعض المدن والمناطق كمناطق عسكرية مغلقة إلى: تعزيز السيطرة الأمنية ومنع أي نشاط يُشتبه في ارتباطه بتهديدات مسلحة أو أعمال تخريبية،
وحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية العسكرية، إضافة إلى تنظيم التحركات داخل تلك المناطق، خصوصًا في ظل ما تصفه السلطات بوجود "مخاطر أمنية مباشرة".
ويُنظر إلى القرار على أنه إجراء استباقي يندرج ضمن استراتيجية أمنية أوسع، تسعى من خلالها الحكومة إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة بؤر التوتر.
إلى جانب الأسباب المعلنة، تشير تحليلات ميدانية إلى عدة دوافع غير مباشرة، من أبرزها:
إعادة تموضع عسكري: تمهيد الأرضية لتحركات عسكرية أو أمنية واسعة النطاق، سواء ضد خلايا مسلحة أو لإعادة انتشار القوات.
منع تسرب السلاح والمقاتلين: خصوصًا في المناطق التي تشكل ممرات استراتيجية أو قريبة من الحدود.
ضبط البيئة الداخلية: تقليص أي حاضنة محتملة لنشاط معارض أو مسلح.
رسائل ردع: توجيه إنذار واضح لأي أطراف داخلية أو خارجية تفكر في زعزعة الأمن.
المدن والمناطق المشمولة
رغم عدم الإعلان في بعض الأحيان عن تفاصيل دقيقة تتعلق بأسماء المدن أو المدة الزمنية للإغلاق، إلا أن تقارير محلية تشير إلى أن المناطق المشمولة غالبًا ما تكون: مناطق حدودية أو قريبة من خطوط تماس سابقة، مدن تضم مواقع عسكرية أو أمنية مهمة، أو مناطق شهدت مؤخرًا نشاطًا أمنيًا غير معتاد.
طبيعة المدن والمناطق المستهدفة
المدن التي تُعلن مناطق عسكرية مغلقة غالبًا ما تتسم بخصائص محددة، منها:
وقوعها قرب حدود دولية تشهد توترًا أمنيًا، أو احتضانها منشآت عسكرية ومخازن سلاح وقواعد استراتيجية، أو سجلها السابق كنقاط اشتباك أو نفوذ لمجموعات مسلحة، أو تمركز قوات أجنبية أو ميليشيات حليفة ضمن محيطها الجغرافي.
وتشير مصادر محلية إلى أن الإعلان لا يكون دائمًا شاملًا لكامل المدينة، بل قد يقتصر على أحياء أو قطاعات محددة ذات حساسية عالية.
رد فعل السكان المدنيين
تباينت ردود الفعل تجاه القرار؛ ففي حين اعتبره مؤيدو الحكومة خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي، رأى منتقدون أنه يعكس هشاشة الاستقرار ويكرس الحلول الأمنية على حساب المعالجات السياسية والاجتماعية الأوسع.
وقد أثار القرار مخاوف واسعة لدى السكان المدنيين، خاصة فيما يتعلق بتقييد حرية التنقل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتأثير ذلك على الأنشطة الاقتصادية اليومية.
كما حذّرت منظمات حقوقية من أن إعلان المناطق العسكرية المغلقة قد يؤدي إلى: تعقيد أوضاع النازحين داخليًا،
تأخير المساعدات الإنسانية، وزيادة الضغوط المعيشية على السكان المقيمين داخل أو بالقرب من تلك المناطق.
البعد السياسي والعسكري
سياسيًا، يُقرأ القرار في سياق سعي الحكومة السورية إلى فرض سيطرة أمنية كاملة على الأراضي الخاضعة لها، وإرسال رسائل داخلية وخارجية بشأن قدرتها على إدارة الملف الأمني.
أما عسكريًا، فيُعد الإعلان مؤشرًا على استمرار حالة التأهب، وعدم استبعاد سيناريوهات تصعيد محدودة أو عمليات أمنية دقيقة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريوهات المتوقعة للفترة المقبلة
يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد أحد السيناريوهات التالية: استمرار الإغلاق لفترات طويلة مع تشديد القبضة الأمنية، تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ثم تخفيف الإجراءات تدريجيًا، أو توسيع نطاق المناطق العسكرية في حال تصاعد التهديدات.

