اتهامات جديدة لبايدن وأوباما بشأن «متلازمة هافانا».. تفاصيل
أثار ضابط استخبارات أمريكي، جدلاً واسعاً حول إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، بعد كشفه عن معاناته الشخصية من الأعراض الغامضة لما يعرف بـ«متلازمة هافانا»، ووجه اتهامات صريحة للبيت الأبيض بالتستر على هذه القضية الحساسة، التي تعد واحدة من أبرز الألغاز الأمنية في الولايات المتحدة خلال العقد الأخير.
مارك بوليميروبولوس، ضابط استخبارات سابق خدم في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لمدة 26 عاماً وتقلد خلالها عدة مناصب قيادية، أكد في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" أنه أصيب لأول مرة بأعراض المتلازمة أثناء مهمة عمل في موسكو، روسيا، في ديسمبر/كانون الأول 2017.
وقال إن الأعراض ظهرت فجأة على شكل دوار شديد وغثيان وصداع حاد وطنين في الأذنين، واصفاً تلك الليلة بأنها كانت "نهاية مسيرته المهنية".
وأشار بوليميروبولوس، الذي كان أيضاً من بين الموقعين على الرسالة الشهيرة المتعلقة بحاسوب هانتر بايدن، إلى أن إدارة بايدن، إضافة إلى إدارة باراك أوباما، لم تتعامل مع الإصابات بالجدية المطلوبة، وأنها مارست ما وصفه بـ«التستر المروع» على طبيعة هذه الحالات.
وأضاف أن الوكالة رفضت طلباته لتلقي العلاج لمدة تقارب الثلاث سنوات، قبل أن توافق أخيراً على إرساله إلى مركز والتر ريد العسكري الطبي، وذلك بعد ضغوط إعلامية واسعة.
خلفية علمية وسياسية حول المتلازمة
متلازمة هافانا، التي سُميت بهذا الاسم بعد تفشيها بين موظفين أمريكيين في السفارة الأمريكية في العاصمة الكوبية هافانا عام 2016، تثير جدلاً علمياً وسياسياً مستمراً.
ويعتقد العديد من الخبراء أن الأعراض قد تكون ناجمة عن هجمات باستخدام أسلحة طاقة موجهة تُنسب إلى جهات أجنبية معادية، مثل روسيا أو كوبا. ومع ذلك، تحفّظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إصدار أحكام قاطعة، خشية تأثير الاعتراف الرسمي بهذه الهجمات على العمليات الخارجية والعلاقات الدبلوماسية الحساسة للولايات المتحدة.

وفي سياق مقابلة بوليميروبولوس، ذكر أن مسؤولين كباراً في إدارة بايدن اعترفوا سراً بحقيقة المتلازمة في جلسات مغلقة، بينما واصلت أجهزة الاستخبارات الأمريكية التقليل من شأن الأدلة علنياً. واصفاً هذا الموقف بـ«الجبن»، مؤكداً أنه يعكس فشلاً في القيادة الأمنية والحكومية على أعلى المستويات.
تتوافق تصريحات بوليميروبولوس مع روايات مصادر أخرى، من بينها مسؤول طبي متقاعد، أُشير إليه في تقارير أمريكية باسم "آدم"، ووصفه البعض بأنه «المريض صفر» للمتلازمة. وأكد "آدم" أن الإدارة الأمريكية كانت تملك بيانات مؤكدة حول هذه الحالات لكنها اختارت إخفاء المعلومات، في حين عانى الضحايا من صعوبات كبيرة للحصول على العلاج المناسب.
تناقض الموقف الرسمي الأمريكي
الملاحظ في القضية الأمريكية أن هناك تناقضاً واضحاً في الموقف الرسمي. فعلى الرغم من عدم اعتراف الإدارة الأمريكية علناً بوجود هجمات متعمدة تسببت بمتلازمة هافانا، فقد وقع الرئيس جو بايدن في أكتوبر/تشرين الأول 2021 على ما يعرف بـ"قانون هافانا"، الذي يمنح تعويضات حكومية للضحايا وأسرهم.
هذا التناقض يشير إلى وجود اعتراف ضمني بالحالات، وهو ما يدعمه قول "آدم": "لو لم يكن الأمر حقيقياً، لكانوا يخالفون القانون بهذه المدفوعات".
ويتابع بوليميروبولوس وضحايا آخرون الضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للكشف الكامل عن الحقائق المرتبطة بالحوادث، ويطالبون بإقالة مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأمريكية يعتقد أنهم شاركوا في التستر على الأحداث أو التقليل من شأنها.
تقرير مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية
وفي الوقت نفسه، يترقب الجمهور الأمريكي تقريراً شاملاً من مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، المكلفة بالتحقيق في ما يُعرف رسمياً باسم "الحوادث الصحية الشاذة".
وأكد متحدث باسم المكتب أن التقرير سيُنشر عند اكتماله، مشدداً على الالتزام بتقديم الحقيقة للشعب الأمريكي، وأن التحقيق يشمل مراجعة شاملة لكل الأدلة الطبية والاستخباراتية المتعلقة بالحالات.
ردود الفعل السياسية والإعلامية
وقد أثارت تصريحات بوليميروبولوس ردود فعل سياسية وإعلامية واسعة في الولايات المتحدة، حيث تناقلت وسائل الإعلام الأمريكية تقارير مفصلة عن الأعراض والتجارب الشخصية للضباط المصابين. ويشير محللون إلى أن القضية تمثل اختباراً حساساً للشفافية الحكومية وقدرة إدارة بايدن السابقة على التعامل مع أزمات صحية ذات أبعاد استخباراتية وسياسية في آن واحد.
كما لاحظ المراقبون أن قضية متلازمة هافانا لم تقتصر على الولايات المتحدة وكوبا، بل امتدت لتشمل ضباطاً أمريكيين في بعثات دبلوماسية أخرى حول العالم، بما فيها موسكو في روسيا، وهو ما يعكس بعداً دولياً للحادثة ويدفع بعض الخبراء إلى الاعتقاد بأن هناك حملة ممنهجة تستهدف الدبلوماسيين الأمريكيين في الخارج بأسلحة طاقة موجهة أو وسائل مشابهة.
يبقى ملف "متلازمة هافانا" واحداً من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ الاستخبارات الأمريكية المعاصر، إذ يجمع بين الأبعاد الصحية والطبية والأمنية والسياسية.
وتكشف تصريحات بوليميروبولوس، التي جاءت بعد سنوات من الصمت، عن حجم المعاناة التي تعرض لها ضباط استخبارات أمريكيون بسبب الحوادث الغامضة، إضافة إلى الجدل حول كيفية تعامل الإدارة الأمريكية مع هذه القضايا، سواء في عهد باراك أوباما أو جو بايدن.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه القضية في الإعلام الأمريكي والضغط على السلطات قد يفضي إلى مزيد من الإفصاحات الرسمية حول حقيقة هذه الهجمات، والإجراءات المتخذة لحماية الموظفين الأمريكيين في الخارج، وتعويض الضحايا، وهو ما يمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية أجهزة الاستخبارات الأمريكية وقدرتها على التعامل مع أزمات صحية غامضة لها أبعاد دولية وسياسية حساسة.