مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ألف يوم من حرب السودان.. هل تنقذ الرباعية الدولية البلاد من الإخوان؟

نشر
الأمصار

دخلت الحرب السودانية يومها الألف منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، وسط استمرار التصعيد العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في حين تتواصل المحاولات المحلية والإقليمية والدولية لإيقاف النزاع الذي تسبب في مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.

 ويبدو أن التنظيم الإخواني ما زال يستغل هذا الصراع، محركًا للأحداث من خلف الكواليس، مما يعقد فرص الوصول إلى حل شامل.


منذ اندلاع الأزمة، فشلت جميع النداءات الدولية والإقليمية والمحلية في فرض هدنة تسمح بمرور المساعدات الإنسانية للمدنيين المتضررين، حيث أصبح ملايين الأشخاص مشردين داخل السودان وخارجه. 

 

ووفق تقارير الأمم المتحدة الأخيرة، فقد ارتفع عدد النازحين قسريًا إلى نحو 11.9 مليون شخص، بينهم 7.3 مليون داخل السودان، فيما تجاوز عدد الفارين إلى دول الجوار 4.3 مليون شخص.


دور الإخوان في إشعال النزاع


يبرز تنظيم الإخوان كعامل مركزي في استمرار الحرب، إذ تشير مصادر سودانية إلى أن قيادات التنظيم، سواء من العسكريين أو المدنيين، تتحكم في قرارات الجيش السوداني، وتعمل على إطالة أمد الصراع وإجهاض أي مساعٍ للتسوية السياسية. 

وأكد مقدم محمد نور أبو خلف، الأمين العام للقيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود "تضامن" في السودان، أن التنظيم الإخواني جعل الجيش السوداني أداة في معركة "عبثية" لا طائل منها.


وأضاف أبو خلف   أن "المليشيات الإخوانية المتطرفة تسيطر على العمليات العسكرية، مستغلة الوضع الأمني والفوضى الناتجة عن الحرب لتصفية حساباتها مع الخصوم على أسس عرقية وجغرافية وسياسية".


وبالرغم من تكرار هذه التحليلات في تقارير محلية ودولية، يظل قائد الجيش السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ينفي أي علاقة للجيش بالتنظيم، لكن الوقائع الميدانية ويوميات الحرب تكشف عن تأثير الإخوان على القرار العسكري، مما يزيد من تعقيد الأزمة السياسية والإنسانية.


الحرب بلا أفق


مع مرور ألف يوم على اندلاع الحرب، تحول النزاع من مواجهة عسكرية بين طرفين إلى حرب مركبة متعددة الأبعاد، تتجدد فيها الانتهاكات يوميًا، بحسب عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ في السودان»، محمد صلاح. وأوضح صلاح أن "هذا التوسع في النزاع يعكس فشل كل المساعي السابقة في احتواء الأزمة، وغياب هدنة حقيقية يجعل من التصعيد والتحشيد أداة أساسية لإدارة الصراع من قبل الأطراف المتحاربة".


وأشار صلاح إلى أن استمرار الانتهاكات ضد المدنيين، والتهجير القسري، وتدمير البنية التحتية، هي أدوات غير معلنة لإعادة رسم السيطرة على الأرض، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويعمّق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. 

ويمثل تمدد النزاع جغرافيًا خطورة إضافية، حيث يخلق بؤر توتر جديدة ويزيد احتمالات تدخل جهات إقليمية متعددة، ما يحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح تتقاطع فيه أجندات محلية وإقليمية.
الرباعية الدولية.. الأمل الأخير؟


وسط هذا الوضع المعقد، تبرز خارطة طريق الرباعية الدولية كأحد الأطر العملية المتاحة لمحاولة إيجاد حل شامل، وتتكون هذه الرباعية من كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية.

 وقد حظيت جهود الرباعية بمساندة واسعة من مؤسسات المجتمع الدولي والإقليمي، كما رحبت بها القوى المدنية والسياسية السودانية الرافضة لاستمرار الحرب.


ورغم ذلك، تواجه خارطة الطريق عراقيل واضحة بسبب ما يوصف بـ"تعنت الجيش السوداني"، الذي يضع القيود أمام تقدم العملية السلمية. 

وقال المصباح أحمد محمد، رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي السوداني،  إن "مسار الرباعية يمكن أن يكون قاعدة للانطلاق نحو الحل، شرط توافر الإرادة السياسية الصادقة من جميع الأطراف، وتوحيد المبادرات تحت مظلة واحدة، مع آليات دولية فعّالة للمتابعة والمراقبة، والتعامل مع المسار باعتباره منصة لتيسير الحل السوداني، لا وصاية خارجية".


من جهته، شدد محمد صلاح على أن "التمسك بخارطة الطريق التي تقودها الرباعية الدولية ضرورة لا لكونها مسارًا كاملًا، بل لأنها الإطار الوحيد المتاح حاليًا لربط المسار الأمني بالمسار الإنساني والسياسي، ومنع انزلاق الأزمة نحو التفكك الكامل". 

وأضاف أن "دعم المسار بضغط دولي حقيقي، وآليات واضحة للمساءلة عن الانتهاكات، ومشاركة مدنية واسعة هو الضمان الوحيد لنجاح أي تسوية".


الأبعاد الإنسانية والاقتصادية


الحرب لم تقتصر آثارها على المستوى السياسي والعسكري فحسب، بل امتدت لتطال حياة المدنيين بشكل مباشر. فقد أدى النزاع إلى تدمير واسع للبنية التحتية في الخرطوم والمدن الأخرى، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المواصلات.

 كما شهد الاقتصاد السوداني انهيارًا شبه كامل، مع توقف غالبية المصانع، وتدهور الإنتاج الزراعي والصناعي، ما زاد من معاناة المواطنين.


كما تعاني القطاعات الصحية من انهيار شامل، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتزايد أعداد الجرحى والمرضى بلا إمكانية لتلقي العلاج. ويصف خبراء إنسانيون الوضع في السودان بأنه "أحد أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث"، حيث يحتاج ملايين المدنيين لمساعدات عاجلة في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.


التعقيدات السياسية


تتداخل أبعاد النزاع المحلي مع مصالح إقليمية، حيث يسعى بعض الفاعلين الخارجيين إلى استغلال الفراغ السياسي داخل الجيش السوداني لتحقيق مكاسب استراتيجية، فيما يظل التنظيم الإخواني العامل الأكثر تأثيرًا في إطالة أمد الحرب.

 ويؤكد مراقبون أن أي حل سياسي لن يكون مستدامًا إلا بإشراك القوى المدنية السودانية بشكل واسع، وضمان محاسبة الأطراف المتورطة في الانتهاكات، ومنع استمرار سيطرة المليشيات على القرار العسكري.


وبالتالي، يبقى التساؤل: هل ستنجح الرباعية الدولية في تجاوز التعقيدات، وإيجاد مخرج سياسي وإنساني للأزمة السودانية؟ أم أن استمرار التدخل الإخواني والعراقيل العسكرية سيحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح لعقود؟


بعد ألف يوم من الحرب، يبدو السودان عالقًا في مأزق متعدد الأبعاد، سياسيًا وإنسانيًا وعسكريًا. ورغم الجهود الدولية، لا تزال الطريق نحو حل شامل مليئة بالعراقيل، خصوصًا في ظل استمرار دور تنظيم الإخوان في التحكم بمفاصل الصراع. ومع ذلك، يظل مسار الرباعية الدولية، بدعم من المجتمع الدولي والمشاركة المدنية، الأمل الأبرز لإنهاء النزاع، وإعادة بناء الدولة السودانية، مع وضع حد لمعاناة الملايين من النازحين والمشردين داخليًا وخارجيًا.