مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

لماذا «لاكوراوا»؟.. غموض الضربات الأمريكية بنيجيريا يثير التساؤلات

نشر
الأمصار

بعد أسبوعين من شن الولايات المتحدة الأمريكية غارات جوية يوم عيد الميلاد على جماعات إرهابية في شمال غرب نيجيريا، لا تزال التساؤلات قائمة حول الجماعة المستهدفة وأثر العملية على الأمن المحلي والإقليمي.

الضربات الجوية التي جرت بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية، استهدفت جماعة تُعرف باسم «لاكوراوا»، والتي تفرض سلطة قسرية على سكان المنطقة المحليين، معظمهم من المسلمين، وتطبق تفسيرًا متشددًا للشريعة الإسلامية، بما في ذلك الجلد لمن يُخالف قوانين الجماعة أو يستمع إلى الموسيقى، وفق تقرير صحيفة "الغارديان" البريطانية.

الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب، كتب على منصته الخاصة "تروث سوشيال" أن العملية استهدفت "حثالة داعش الإرهابية في شمال غرب نيجيريا، الذين يقتلون بوحشية وخاصة المسيحيين الأبرياء"، مضيفًا أن الغارات كانت "ضربات دقيقة ومتعددة".

ومع ذلك، لم تكشف الولايات المتحدة أو الحكومة النيجيرية عن أرقام دقيقة حول قتلى جماعة «لاكوراوا» أو حجم الأضرار المادية الناتجة عن الضربات، مما أثار تساؤلات واسعة حول أهداف العملية.

قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا أشارت في 25 ديسمبر/كانون الأول إلى أن تقييمها الأولي أظهر "مقتل عدد من إرهابيي داعش في معسكرات التنظيم".

وقال مالك صموئيل، الباحث في منظمة "الحوكمة الرشيدة في أفريقيا"، إنه تحدث إلى أحد أعضاء «لاكوراوا» الذي أكد مقتل نحو 100 عنصر في معسكر غابي بمنطقة تانغازا في ولاية سوكوتو، إضافة إلى 200 آخرين في عداد المفقودين، في حين يحاول بعض العناصر الباقية عبور الحدود إلى النيجر.

وفي السياق ذاته، أبلغ سكان قرية نوكورو، الواقعة على بعد حوالي 10 كيلومترات من المعسكر، هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أن عناصر الجماعة فروا عبر القرية على متن نحو 15 دراجة نارية، ثلاثة مقاتلين على كل دراجة.

عملية عيد الميلاد تكشف غموض استهداف جماعات داعش في شمال غرب نيجيريا

ولم تقتصر آثار الغارات على المعسكر، فقد سقطت شظايا صواريخ على أراضٍ زراعية خالية في بلدة جابو على بعد 95 كيلومتراً جنوب تانغازا، والتي لم تتعرض لهجوم من «لاكوراوا» حسب سكان البلدة، كما ألحقت الغارات أضرارًا بفندق على بعد 800 كيلومتر جنوب تانغازا، وأسفرت عن إصابة ثلاثة عمال مدنيين.

ويثير الغموض المحيط بالغارات تساؤلات حول سبب اختيار الولايات المتحدة جماعة «لاكوراوا» تحديدًا، والتي تنشط في مناطق ريفية ذات أغلبية مسلمة قرب الحدود مع النيجر، في حين تُنسب معظم أعمال العنف في المنطقة إلى عصابات مسلحة تعرف باسم "القطاع".

وكان ترامب قد اتهم سابقًا الحكومة النيجيرية بالتقاعس عن حماية المسيحيين، وهو ملف حساس بالنسبة لقاعدته الإنجيلية. وأشار مسؤولان أمريكيان لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الغارات الجوية كانت عملية استثنائية تهدف إلى تمكين ترامب من الادعاء بأنه يستهدف جماعة مسؤولة عن قتل المسيحيين، وهو ما اعتبره بعض المحللين رمزيًا أكثر من كونه خطوة استراتيجية.

ويرى مرتضى عبد الله، مستشار أمني نيجيري، أن «لاكوراوا» ربما كانت هدفًا رمزيًا، موضحًا: "كيف يمكن إثبات صلة جماعة مسلحة بقتل المجتمع المسيحي؟ هذا أمر صعب. ولكن إذا كانت الجماعة متشددة فلا حاجة لإثبات صلة مباشرة". 

وأضاف أنه لا يعلم سبب اختيار الولايات المتحدة استهداف «لاكوراوا» بدلًا من جماعة "بوكو حرام"، الأكثر شهرة دوليًا والتي تهاجم المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

ومنذ الغارات، تحول الاهتمام الدولي إلى عمليات أخرى شملت فنزويلا، حيث أعلنت القوات الأمريكية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني، كما أبدى ترامب ومسؤولون أمريكيون كبار اهتمامًا بالسيطرة على غرينلاند، ما قلل التركيز الإعلامي على العملية في نيجيريا.

ولا يُعرف الكثير عن جماعة «لاكوراوا»، بدءًا من تاريخ تأسيسها، وعدد مقاتليها، وحتى معنى اسمها الذي يقول بعض المحللين إنه مشتق من كلمة "المجندون" بلغة الهوسا، ولكن هذا التفسير غير مؤكد.

وصنفت الحكومة النيجيرية الجماعة كمنظمة إرهابية في يناير/كانون الثاني 2025. ويشير بعض المحللين إلى أن «لاكوراوا» قد تكون مرتبطة بفرع تنظيم داعش في منطقة الساحل، فيما أفاد مالك صموئيل بأن مقابلاته مع عناصر الجماعة أظهرت ولاءهم لتنظيم القاعدة.

ويتفق الباحثون على أن كبار أعضاء الجماعة من مالي أو نيجيريا، ويشير السكان المحليون إلى أن المقاتلين يتحدثون لغة الهوسا بلكنة أجنبية، ويستخدمون لغة أخرى فيما بينهم.

وفي عام 2017 تقريبًا، لجأت بعض المجتمعات المحلية إلى «لاكوراوا» لحمايتها من قطاع الطرق، إلا أن الجماعة بدأت لاحقًا في فرض سلطتها بالقوة، واتبعت أساليب عنيفة مشابهة لتلك التي كان يستخدمها قطاع الطرق، فضلًا عن فرض تفسيرها المتشدد للشريعة.

وقالت كاتو فان بروكهوفن، الباحثة في معهد الأمم المتحدة لأبحاث نزع السلاح، إن "السلطة القسرية التي فرضتها الجماعة قلبت المجتمعات ضدها"، مشيرة إلى أن العمليات العسكرية وحدها لم تنجح في تهدئة الأزمات الأمنية المتعددة والمتفاقمة في نيجيريا قبل التدخل الأمريكي.

وتُظهر التطورات أن نيجيريا تعد أرضًا خصبة لنشاط الجماعات المسلحة بسبب مشاكل الحكم، والفقر الشديد في هذه المناطق، وغياب الدولة، والفراغ الأمني الذي يتيح لتلك الجماعات التوسع، وفق ما أكده صموئيل.

ويستمر الغموض حول مدى تأثير الغارات على الجماعات الإرهابية في شمال غرب نيجيريا، وسط توقعات بأن تستمر الولايات المتحدة بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية لمتابعة أي تهديد محتمل، في ظل هشاشة البنية الأمنية في المناطق الحدودية.

ويأتي هذا التحرك الأمريكي في إطار استراتيجيات مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا، حيث تتداخل مصالح عدة جماعات مسلحة في النيجر ومالي ونيجيريا، وهو ما يزيد من تعقيد مهام القوات المحلية والدولية على حد سواء، ويضع تحديات كبيرة أمام محاولات إحلال الاستقرار في المنطقة.