مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

عودة الخلافات بين مجلسي النواب والدولة في ليبيا.. تصاعد التوترات ودعوة للتهدئة

نشر
الأمصار

في ظل تصاعد التوترات السياسية والمؤسسية في ليبيا، عادت الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى الواجهة، وهذه المرة على خلفية ملف حساس يتعلق بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وقد دفعت حدة التصعيد المتبادل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى التدخل، داعية الطرفين إلى التهدئة وتغليب المصلحة الوطنية، في وقت واصلت فيه المفوضية أداء مهامها الاعتيادية، لا سيما فيما يخص الانتخابات البلدية، وأحالت عدداً من المرشحين المخالفين إلى النيابة العامة.

خلفية الخلاف حول المفوضية العليا للانتخابات
 

تُعد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إحدى الركائز الأساسية في المسار السياسي الليبي، إذ يقع على عاتقها تنظيم وإدارة الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، سواء كانت تشريعية أو رئاسية أو بلدية.

 ومنذ سنوات، تحولت المفوضية إلى نقطة تجاذب بين الأجسام السياسية المتنافسة، التي يسعى كل منها إلى التأثير في تشكيلها أو آليات عملها، بما يخدم حساباته السياسية.

الخلاف الأخير يتمحور حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، حيث تبادل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الاتهامات بشأن أحقية كل منهما في اتخاذ القرار، ومدى الالتزام بالأطر القانونية والدستورية المنظمة لهذا الملف. وقد انعكس هذا التباين في مواقف وتصريحات حادة، اعتبرها مراقبون تصعيداً سياسياً جديداً يهدد بتعطيل المسار الانتخابي برمته.

دعوة أممية للتهدئة وتخفيف التصعيد
 

أمام هذا المشهد المتأزم، أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بياناً دعت فيه مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى تخفيض حدة التصعيد المتبادل، مؤكدة أن الخلافات السياسية حول المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المفوضية العليا للانتخابات، يجب أن تُحل عبر الحوار والتوافق، وليس من خلال البيانات المتبادلة أو القرارات الأحادية.

وشددت البعثة على أن استقرار عمل المفوضية يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي عملية انتخابية مستقبلية، محذرة من أن استمرار الخلافات قد يقوض ثقة الشارع الليبي في العملية السياسية، ويزيد من حالة الإحباط العامة إزاء تأخر إجراء الانتخابات المنتظرة منذ سنوات.

كما أكدت البعثة تمسكها بدعم المسار السياسي الشامل، الذي يقود إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، معتبرة أن التنافس حول إدارة المفوضية يجب ألا يتحول إلى أداة لتعطيل الاستحقاقات الديمقراطية.

استمرار المفوضية في أداء مهامها
رغم الجدل السياسي الدائر، واصلت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عملها الاعتيادي، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لتأكيد استقلاليتها عن الصراعات القائمة. 

وتركزت جهود المفوضية خلال الفترة الأخيرة على إدارة الانتخابات البلدية، التي تُعد من الاستحقاقات المهمة على المستوى المحلي، لما لها من دور في تعزيز اللامركزية وتحسين الخدمات في المدن والبلديات.

وفي هذا السياق، أعلنت المفوضية إحالة عدد من المرشحين المخالفين في الانتخابات البلدية إلى النيابة العامة، بعد ثبوت ارتكابهم مخالفات تتعلق بشروط الترشح أو الحملات الانتخابية.

 وأكدت المفوضية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تطبيق القانون وضمان نزاهة العملية الانتخابية، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية.

دلالات إحالة المخالفين إلى النيابة
 

تحمل خطوة إحالة المرشحين المخالفين إلى النيابة العامة دلالات متعددة، أبرزها سعي المفوضية إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون والمساءلة، في بيئة سياسية غالباً ما تتسم بالإفلات من العقاب. كما تعكس هذه الخطوة محاولة لإعادة بناء الثقة في العملية الانتخابية، من خلال التأكيد على أن جميع المشاركين يخضعون للقواعد نفسها دون استثناء.

ويرى محللون أن هذه الإجراءات قد تسهم في تحسين صورة المفوضية أمام الرأي العام، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة بتسييس عملها أو خضوعها لضغوط من أطراف نافذة. غير أن آخرين يحذرون من أن استمرار الخلاف السياسي حول مجلس إدارتها قد يحد من فعالية هذه الجهود، ويجعلها عرضة للطعن والتشكيك.

تأثير الأزمة على المسار السياسي الليبي
 

تأتي هذه التطورات في وقت يمر فيه المسار السياسي الليبي بحالة من الجمود، نتيجة فشل الأطراف المختلفة في التوصل إلى توافق شامل حول القوانين الانتخابية وتوحيد السلطة التنفيذية.

 ويُخشى أن يؤدي الخلاف حول المفوضية إلى تعميق هذا الجمود، وتأجيل أي استحقاقات انتخابية جديدة، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

كما أن تصاعد التوتر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يعكس عمق أزمة الثقة بين المؤسسات السياسية، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية بما يخدم تطلعات الليبيين في الاستقرار وبناء دولة موحدة.

آفاق المرحلة المقبلة
 

في ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بمدى استجابة مجلسي النواب والدولة لدعوة بعثة الأمم المتحدة، واستعدادهما للانخراط في حوار جاد يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة. فنجاح أي عملية انتخابية في ليبيا يتطلب توافقاً سياسياً واضحاً، وضمان استقلالية المفوضية، وتوفير بيئة قانونية وأمنية مستقرة.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الأطراف الليبية ستتمكن من تجاوز خلافاتها حول إدارة المفوضية، والانطلاق نحو مسار انتخابي حقيقي، أم أن هذا الملف سينضم إلى قائمة القضايا الخلافية التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة الليبية.