مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ما الآثار الاقتصادية للضربة الأمريكية على فنزويلا؟

نشر
الأمصار

في فجر السبت الثالث من يناير 2026، دخلت العلاقات الأمريكية–الفنزويلية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد تنفيذ الولايات المتحدة ضربة عسكرية واسعة داخل الأراضي الفنزويلية بواسطة قوات خاصة، في تطور حاد أنهى عمليًا سنوات من التوتر السياسي والعقوبات الاقتصادية المتبادلة. 

وجاءت العملية في سياق اتهامات أمريكية متكررة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونظامه بالفساد والارتباط بشبكات تهريب المخدرات، إذ أعلنت واشنطن القبض عليه وزوجته، وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن العدالة الأمريكية ستطال كل من “أفسد وأجرم بحق الشعب الفنزويلي”، على حد تعبيره.

هذا التصعيد العسكري، الذي دشّن عام 2026 على وقع أزمات جيوسياسية متلاحقة، لم يقتصر تأثيره على الداخل الفنزويلي، بل امتدت ارتداداته إلى الاقتصادين الإقليمي والعالمي، في وقت يعاني فيه النظام الاقتصادي الدولي من هشاشة متزايدة وعدم يقين متصاعد.

 

عدم يقين اقتصادي متزايد
 

أحد أبرز الآثار الفورية للضربة الأمريكية تمثّل في ارتفاع مستوى عدم اليقين الاقتصادي عالميًا. 

فالتوترات الجيوسياسية المفاجئة غالبًا ما تعيد رسم توقعات الأسواق، وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم المالية. 

ومع الساعات الأولى بعد الهجوم، تركزت أنظار المتداولين على حركة أسعار النفط والمعادن النفيسة، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات أو توسع رقعة الصراع. 

وأشارت تقديرات مؤسسات استشارية مالية إلى أن مثل هذه الأحداث تخلق بيئة ضبابية، تُضعف الثقة في الأسواق عالية المخاطر، وتزيد من تقلبات الأسعار، خاصة في مستهل عام مالي جديد.

 

أسواق النفط بين التأثر المحدود والحذر المستقبلي
 

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، ما يعادل قرابة 17% من الاحتياطيات العالمية. ورغم هذا الثقل النفطي، فإن التأثير الفوري للضربة على أسعار النفط العالمية جاء محدودًا نسبيًا. 

ويعود ذلك إلى أن صادرات فنزويلا كانت بالفعل مقيدة بفعل العقوبات الأمريكية الممتدة، فضلًا عن أن عمليات الإنتاج والتكرير التابعة لشركة النفط الوطنية الفنزويلية عادت إلى طبيعتها سريعًا بعد الهجوم.

 كما أن الأضرار التي لحقت بميناء لا جويرا القريب من كاراكاس لم تؤثر بشكل مباشر على البنية التحتية النفطية.

وعلى عكس التوقعات الأولية، تراجعت أسعار النفط الخام في الأيام التالية للضربة، حيث انخفض سعر البرميل من نحو 60.91 دولار في الأول من يناير إلى قرابة 57.32 دولار في الثالث من الشهر نفسه. 

ومع ذلك، شهدت أسواق الطاقة العالمية تقلبات ملحوظة، إذ تراجع خام غرب تكساس الوسيط في بورصة نيويورك، بينما سجل خام برنت ارتفاعًا طفيفًا في بورصة لندن. 

ويظل مستقبل أسعار النفط مرهونًا بتطور الأوضاع السياسية في فنزويلا، وقدرة القطاع النفطي المتآكل على التعافي في ظل نقص الاستثمارات وتدهور البنية التحتية.

 

المعادن النفيسة ملاذ آمن في زمن الأزمات
 

على الجانب الآخر، عززت الضربة الأمريكية الطلب على المعادن النفيسة بوصفها ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطراب. فقد تأثرت بعض خطوط النقل البحري في أمريكا اللاتينية، وهو ما انعكس على أسواق الفضة والذهب.

 وتشير التقديرات إلى احتمال ارتفاع أسعار الفضة إلى نطاق يتراوح بين 75 و78 دولارًا للأوقية، في حين يُتوقع أن يفتتح الذهب تداولاته عند مستويات مرتفعة قد تصل إلى 4380 دولارًا للأوقية.

 هذا الاتجاه يعكس سلوكًا تقليديًا للمستثمرين، الذين يلجؤون إلى الأصول الآمنة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

 

تراجع شهية المخاطرة وضغوط على الأصول الرقمية
 

لم تسلم الأصول عالية المخاطر من تداعيات التصعيد، إذ شهدت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، تراجعات حادة مع بداية تداولات عام 2026.

 ويعزى ذلك إلى تقلص السيولة وارتفاع منسوب القلق بشأن مستقبل الاستقرار العالمي، ما أعاد العملات المشفرة إلى دائرة “النفور من المخاطرة”، خاصة في ظل غياب أي ضمانات تنظيمية تحمي المستثمرين وقت الأزمات.

 

الأسواق المالية تحت الضغط
 

أثرت الضربة الأمريكية أيضًا على أداء الأسواق المالية العالمية والإقليمية، حيث ارتفعت حساسية البورصات تجاه الأخبار السياسية. ففي المنطقة العربية، تراجعت مؤشرات الأسهم في عدد من الأسواق، من بينها السوق السعودية التي سجل مؤشرها الرئيسي انخفاضًا ملحوظًا في مستهل الأسبوع.

 كما شهدت البورصات الكبرى حالة من التذبذب، خاصة في أسهم الطاقة. 

أما داخليًا، فقد أدى التصعيد إلى هروب واسع لرؤوس الأموال من السوق الفنزويلية، ما عمّق من أزمتها المالية.

 

مسارات مستقبلية مفتوحة
 

تحمل الأزمة الفنزويلية عدة مسارات محتملة، أبرزها احتمال تكرار سيناريو التدخل الأمريكي في دول أخرى، في ظل رسائل سياسية واضحة تؤكد استعداد واشنطن لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها. 

كما أن الضربة قد تُفسَّر في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تحجيم النفوذ الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية، خاصة في ضوء العلاقات الاقتصادية الواسعة التي نسجتها بكين وموسكو مع فنزويلا خلال السنوات الأخيرة.

 

إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الدولي
 

في المحصلة، يتجاوز التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا كونه حدثًا أمنيًا عابرًا، ليعكس توظيف الأدوات العسكرية في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد السياسي الدولي. 

فالضربة لم تُنتج فقط صدمة داخلية، بل ساهمت في تعميق حالة عدم اليقين العالمي، وهددت سلاسل الإمداد، ودفعت بأسعار السلع والمعادن إلى التقلب.

 ومن ثم، تبدو الحاجة ملحّة لتفعيل قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، تجنبًا لتحويل الأزمات المحلية إلى أعباء اقتصادية عالمية تطال الجميع دون استثناء.