مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

أمل عبد العزيز الهزاني تكتب: «حروب الاستيلاء على المنافذ المائية»

نشر
أمل عبد العزيز الهزاني
أمل عبد العزيز الهزاني

في التاريخ الحديث، لعبَ الاستعمارُ الأوروبيُّ دوراً كبيراً في تقسيم الدّول ذاتِ المنافذ والموانئ الاستراتيجية، من خلال وضع اليدِ عليها. في القرن الأفريقي، الذي يعتبر من أهم الممرات المائية عالمياً، كانت إيطاليا مهتمةً في القرن العشرين أن يكون لها موطئ قدم في الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا. وعلى الرغم من موقع إيطاليا المهم على البحر الأبيض المتوسط، فإن موسوليني كان يرى في القرن الأفريقي بوابةً للعالم. موسوليني كانَ محقاً في تقييمه لأهمية الموقع الجغرافي. الانفتاح على العالم الكبير الذي يملك مفاتيح المستقبل يعني أن تكون مرتبطاً بمداخل إلى دول آسيا، بكل كثافتها في اليد العاملة وثرواتها الظاهرة والباطنة وأراضيها الشاسعة، أضف لذلك دول جنوب أفريقيا التي تخزن أراضيها المعادن الثمينة. لهذه الأسباب وغيرها كانت دول القرن الأفريقي محل تنازع من دول الاستعمار، تحديداً إيطاليا وبريطانيا. بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية دأبت على نزع ارتباطاتها مع كثير من الأراضي التي استعمرتها (أكثر من 20 دولة). الحرب أنهكتها، كما أنَّ إدارة الحكم عن بُعد مكلفةٌ مالياً وبشرياً. تبقت أقاليم معظمها جزر متناثرة حول العالم. لكن إيطاليا خرجت متأخرة، وبعدها استقلت الدول، ورُسمت خريطة جديدة لدول القرن.

الصراع في القرن الأفريقي تاريخي، لكنَّه اليوم يتحدَّث بلغة مختلفة، ليست إثنية أو دينية، إنَّما بمحاولات جادة لاختطاف المرافئ وممرات التجارة العالمية. في المشهد اليوم، نرى كيف أنَّ إثيوبيا، الدولة الحبيسة، تستميت لأجل الوصول إلى البحر. فقدت إثيوبيا هذه الميزة في 1993 حينما استقلَّت إريتريا المطلة على البحر الأحمر، لكن هاجس الوصول لم يهدأ لدى الإثيوبيين.

هذا الصراع في دول القرن الأفريقي جذب دولاً أخرى إليه، لنفس الأسباب؛ الحصول على حصة من إدارة المنافذ. إسرائيل مؤخراً قرَّرت الاعترافَ بإقليم أرض الصومال الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 دون اعتراف دولي. والسؤال هنا: لماذا إسرائيل، التي تبعد أكثر من 2000 كيلومتر، تقرّر الدخول في صراع قديم وتقديم خطوة الاعتراف؟ إقليم أرض الصومال يحتل مكانة كبيرة؛ كونه بوابة تفتح على طريقين؛ البحر الأحمر والمحيط الهندي، فعلياً يربط بين آسيا من جهة، وأوروبا وأفريقيا من جهة أخرى. ويبدو أنَّ إسرائيل تلقَّت وعوداً بنصيبها على الساحل، ليس لأسباب تجارية بالدرجة الأولى، إنَّما لإقامة قاعدة عسكرية تُسهّل عليها عملياتها الدفاعية ضد الحوثيين أو ضد إيران. في خطوة شبيهة سبقتها العام الماضي، وقّعت أديس أبابا عقد استئجار لأراضٍ في إقليم أرض الصومال لبناء مرفأ وقاعدة عسكرية مقابل الاعتراف بالإقليم، تماماً كما فعلت إسرائيل، وبالتالي تحقّق إثيوبيا حلمَها بالإطلالة على المياه. حكومة مقديشو حينها غضبت، وسارعت إلى توقيع اتفاقية حماية مع تركيا، تتيح لتركيا الوجود العسكري لحماية الشواطئ الصومالية، وهي خطوة استراتيجية لتركيا بطبيعة الحال.

لا ننسَ أنَّ تركيا تسلَّمت من عمر البشير عام 2017 جزيرةَ سواكن على البحر الأحمر، وبدأت فعلياً بناءَها وتأهيلها وإنشاء قاعدة عسكرية فيها، لكن العمل توقف بعد إطاحة البشير.

الأطماع في الممرات المائية موضوع تاريخي؛ فقد تأسست سرقات البحار على يد القراصنة في البحر الكاريبي في القرن الثامن عشر. القرصنة اليوم تضرب في منطقة الشرق الأوسط، تحت أسماء سياسية مختلفة، لكنَّها في الواقع قرصنة تحت اسم الدول ودساتيرها.

اليمن مثال حيّ؛ موقع جغرافي استراتيجي على المحيط الهندي، استعمله التجار قروناً من الزمن للانطلاق ببضائعهم شرقاً وغرباً، وهو اليوم مطمعٌ للكثيرين، وسببٌ في إشعال حروب أهلية داخل الأرض اليمنية. كل المرافئ والجزر المطلة على بحر العرب هي مطمع للكثيرين، بمن فيهم بعض اليمنيين الذين يعتقدون أنَّ احتكار الموانئ وما تجلبه من خيرات سيمدُّهم باليد العليا فوق خصومهم من أهل الجنوب والشمال.

البشر يتعلّمون إمَّا من تجارب غيرهم أو تجاربهم الذاتية، والواضح أنَّ «بعض» اليمنيين لم يتعلموا حتى اليوم، وطوال تجاربهم القاسية الدامية خلال العقود الماضية، أنَّ القوة القسرية لا يمكن أن تجلب لهم منفعة، ولا يمكن أن يتعايش بقية اليمنيين معها.

اليمن كان مطمعاً للإيرانيين؛ لأسباب سياسية، أهمها جواره للسعودية، التي تراها خصماً تاريخياً؛ لذلك استخدمت كلَّ مواردها، وأهمها المرافئ، لتسليح وإمداد الحوثيين للاستيلاء على اليمن، لكنَّهم فشلوا، ولم يتحقّق للحوثيين ما اعتقدوه سهلاً، والآن هم منذ عشرة أعوام في مناطقهم التي ترزح تحت بنية تحتية مهترئة، ومقومات حياة شحيحة. كيف يمكن لأي سياسي يمني واعٍ بالتاريخ أن يعتقد أنَّ بإمكانه فصل الجنوب بالقلم والمسطرة، ثم إعلان التحكم والسيطرة؟ لا منطق ولا واقع يتَّفق مع هذا التعالي والغطرسة. ما يتمنَّاه اليمنيون من انفصال وعودة إلى ما قبل الوحدة هو حق، لكن وسيلة المطالبة بالحق تعطيه وجاهة وتقديراً، وتسهّل ما يلزم لاحقاً من اعتراف دولي واستقرار سياسي واقتصادي وأمني، باللجوء إلى القانون والدستور والاستفتاء، أو أي وسيلة قانونية معتبرة. أمَّا الانشقاق الحاصل اليوم، ورغبة القيادي الجنوبي عيدروس الزبيدي في فرض سيطرته بالقوة، وانتزاع ما ليس له، متكئاً على حق الجنوبيين في الانفصال، فهما قرصنة وعمل عصابات.

لا أحد يريد لليمن أن يمرَّ بما مرَّت به دول القرن الأفريقي، ولا أن يكون كما هو اليوم دولة قابلة للاشتعال بسبب الأطماع الخارجية، وسوء التقدير من سياسييها.

الشرعية اليمنية هي صمام أمان لليمنيين؛ مدعومة من المجتمع الدولي، ولها حرية اتخاذ القرار الذي تراه من صالحها لتقليص الأضرار، حتى يتمكَّن اليمن من الخروج من عنق الزجاجة سالماً، بدلاً من أن يكون ورقة يتداولها المقامرون.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط