مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

وحيد حامد.. بساطة الشخصية وعمق التجربة

نشر
الأمصار

في ذكرى رحيل الكاتب الكبير وحيد حامد، تعود سيرته الإنسانية والإبداعية لتفرض نفسها بوصفها تجربة استثنائية، جمعت بين البساطة وعمق التأثير، فقد رأى فيه كل من اقترب منه إنسانًا سهل العشرة، قريبًا من القلب، يمنحك إحساسًا فوريًا بالألفة، كأنك تعرفه منذ زمن طويل، وكأنه بدوره يعرفك ويصغي إليك دون حواجز.

وقال عنه الناقد محمود عبدالشكور إنه "كان حاضرًا بروح ابن البلد، حتى في أكثر الأماكن فخامة، قادرًا على تحويل أي لقاء إلى جلسة ودودة مفعمة بالحكي، يستعيد فيها تفاصيل الحياة كما لو كان يرسم مشهدًا سينمائيًا حيًا، بروح مرحة وبساطة صادقة لا تفتعل، وتلك الروح التي جعلت حضوره الإنساني لا يقل تأثيرًا عن حضوره الفني".

ويشير "عبدالشكور" إلى أن وحيد حامد لم يكن مجرد اسم ارتبط بمرحلة لاحقة من الوعي النقدي أو الكتابة الصحفية، بل كان جزءًا من الذاكرة الجماعية منذ البدايات، حاضرًا في وجدان أجيال كاملة من خلال أعمال إذاعية ودرامية مبكرة، صنعت ارتباطًا وجدانيًا بينه وبين الجمهور، قبل أن يعرف ككاتب كبير أو شخصية عامة.

وفي هذا السياق، تواصل موقع "القاهرة الإخبارية" مع عدد من النقاد لاستعادة محطات رحلة وحيد حامد، والوقوف أمام ملامح تجربته الفنية والإنسانية، التي ظلت حاضرة في الذاكرة، وصنعت تأثيرًا ممتدًا تجاوز حدود الزمن، ليبقى اسمه مرتبطًا بصدق الحكاية وقربها من الناس.قناعات شخصية
يرى الناقد طارق الشناوي أن تجربة وحيد حامد الإبداعية لا يمكن فصلها عن جذوره الأولى، معتبرًا أن انتماءه للريف لم يكن مجرد خلفية اجتماعية، بل جزء أصيل من وعيه ورؤيته للعالم، مؤكدًا أن وحيد حامد ظل محتفظًا بهذه الروح البسيطة في نظرته للحياة، وهو ما انعكس بوضوح في كتاباته التي اقتربت من الناس ولغتهم، حتى تحولت بعض حواراته إلى جمل شائعة يتداولها الجمهور.

ويشير الشناوي إلى أن وحيد حامد كان صاحب ثقة كبيرة في الأجيال الجديدة، وهو ما يتضح في اختياراته المتكررة للتعاون مع مبدعين شباب في مراحلهم الأولى، فلطالما راهن على الطاقة الجديدة والأفكار المختلفة، وحرص على أن يظل منفتحًا على تجارب مغايرة، إدراكًا منه أن الجمود الفني يعني فقدان القدرة على التعبير عن الواقع المتغير.

ويضيف الناقد المصري أن جلساته الطويلة مع وحيد حامد كشفت عن شخصية شديدة الصراحة، لا تميل إلى المواربة أو تجميل المواقف، وكان يتحدث بلا تحفظ، وكأنه حريص على أن يضع أفكاره كاملة وواضحة، دون حسابات أو مجاملات، وهو ما انعكس على أسلوبه في الكتابة الذي اتسم بالوضوح والجرأة وعدم الميل إلى الحلول الوسط.

ويؤكد الشناوي أن وحيد حامد لم يكن معنيًا بالمناصب أو الألقاب، بقدر ما كان منشغلًا بفكرة التعبير الحر عمَّا يدور في ذهنه، ولم يعرف التسويات في أعماله، ولم يسع إلى إرضاء أحد، بل ظل حريصًا على أن تكون كلمته نابعة من قناعته الشخصية، وهو ما منحه حضورًا داخل كل عمل شارك في صناعته.

ويختتم الشناوي بأن خصوصية وحيد حامد تتجلى في قدرته على فرض بصمته ككاتب حتى داخل وسيط سينمائي غالبًا ما ينسب فيه الفضل الأكبر للمخرج، فعلى الرغم من طبيعة السينما التي تبرز اسم المخرج، ظلت إرادة الكاتب واضحة في أفلامه، كما ظل متطلعًا إلى المستقبل، حريصًا على تطوير لغته وأدواته، والتعاون مع أسماء صاعدة، ما جعله حاضرًا في زمنه ومتقدمًا عليه في آن واحد.

كاتب جماهيري
فيما يرى الناقد السينمائي كمال رمزي أن القيمة الحقيقية لتجربة وحيد حامد تكمن في قدرته الاستثنائية على التقاط نبض الشارع، وتحويل قضايا الشباب والواقع اليومي إلى مادة سينمائية حية ومؤثرة، ويؤكد أن أعماله لم تكن مجرد حكايات درامية، بل مرايا عاكسة لأسئلة جيل كامل، وهو ما منحها عمرًا أطول وتأثيرًا متجددًا مع تعاقب السنوات.

ويشير رمزي إلى أن وحيد حامد امتلك حسًا خاصًا في مخاطبة شرائح اجتماعية مختلفة في الوقت نفسه، مستندًا إلى كتابة واعية بالتحولات الاجتماعية، وقادرة على الوصول إلى جمهور واسع دون أن تفقد عمقها أو صدقها الفني، وهذا التوازن الدقيق بين الجماهيرية والمحتوى الجاد جعله واحدًا من أكثر الكتاب تأثيرًا في السينما المصرية.

ويلفت كمال رمزي إلى أن التعاونات التي جمعت وحيد حامد بعدد من النجوم الكبار، وفي مقدمتهم عادل إمام، أسفرت عن أعمال تركت بصمة واضحة في وجدان الشباب، حيث نجحت هذه الأفلام في التعبير عن طموحاتهم ومخاوفهم بلغة قريبة منهم، وقدمت نماذج إنسانية يمكن التعرف عليها بسهولة داخل المجتمع.

ويختتم رمزي بالتأكيد على أن وحيد حامد يحتل مكانة متقدمة بين كبار صناع السينما في مصر، ليس فقط بسبب نجاح أعماله، وإنما لما امتلكه من قدرة نادرة على قراءة عصره، والتفاعل مع قضاياه، وصياغتها في أعمال فنية ظلت شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع والسينما على حد سواء.