مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

نادية لطفي.. شقراء السينما المناضلة حبًا للوطن

نشر
الأمصار

لم تكن نادية لطفي نجمة جميلة مرت على شاشة السينما في زمنها الذهبي، بل كانت استثناءً حقيقيًا امتلكت جمالًا هادئًا لم تفتقد الموهبة، وحضورًا ذكيًا لا يعتمد على الإبهار، فاختارت أن تصنع مكانتها بالوعي قبل الشهرة، وبالموقف قبل الأضواء، وهو ما يفسر أنها لا تزال تعيش حتى الآن رغم مرور سنوات على رحيلها، لذلك بقي اسمها حاضرًا، لا كـ"شقراء سينما" فقط، بل كفنانة مثقفة ومناضلة آمنت بأن الفن رسالة، وأن حب الوطن ليس بالكلام.

امتزاج نشأتها في حي عابدين ببيئة ثقافية منفتحة مع تعليمها في المدرسة الألمانية بمصر أسهم في تكوين شخصيتها وميزها عن كثير من نجمات جيلها في طريقة التفكير والاختيار.

قبل 89 عامًا ولدت بولا محمد شفيق -الاسم الحقيقي لها- وتحديدًا في الثالث من يناير عام 1937 بالقاهرة، ترددت شائعات حول أصول والدتها بزعم أنها بولندية، إلا أن نادية لطفي نفت ذلك بشكل قاطع، مؤكدة أن والدتها مصرية تُدعى "فاطمة".

 وأوضحت أن الشائعة جاءت نتيجة سوء فهم صحفي عقب حديثها ببعض الكلمات الألمانية في أثناء استقبال وفد فني بولندي.

دخلت عالم السينما بعدما اكتشفها المنتج رمسيس نجيب، وقدّمها للجمهور لأول مرة من خلال فيلم "سلطان" عام 1959، واختار لها اسمها الفني "نادية" اقتباسًا من شخصية فاتن حمامة في فيلم "لا أنام"، ورغم صعوبة البدايات، لم تكن التحديات عائقًا، بل جزء طبيعي من طريق اختارته عن اقتناع وحب.

النظارة السوداء
جاء فيلم "النظارة السوداء" عام 1963 ليشكّل علامة فارقة في مسيرتها، إذ قدمت نموذجًا مختلفًا للبطلة، أكثر عمقًا وجرأة، مبتعدة عن الصورة النمطية للفتاة التقليدية، ومنذ ذلك العمل بات اسمها مرتبطًا بالأدوار المركبة والشخصيات التي تحمل صراعًا داخليًا واضحًا.

لم تحصر نادية لطفي موهبتها في نوع معين بل تنوعت أعمالها بين التاريخي والاجتماعي والرومانسي حتى وصل عدد أفلامها نحو 75 فيلمًا، ومن أبرز أعمالها "الناصر صلاح الدين"، و"الخطايا"، و"السمان والخريف"، و"للرجال فقط"، و"السبع بنات" و"الإخوة الأعداء".ورغم هذا الرصيد الكبير، اكتفت بتجربة واحدة في الدراما التليفزيونية من خلال مسلسل "ناس ولاد ناس"، إلى جانب عمل مسرحي وحيد، في دلالة على انتقائيتها وحرصها على القيمة الفنية.

دور نادية لطفي الوطني
لم تنفصل نادية لطفي يومًا عن قضايا وطنها، وظهر ذلك بوضوح خلال حرب أكتوبر 1973، حين كانت توجد باستمرار في مستشفيات المعادي العسكري وقصر العيني لمساندة الجرحى والتخفيف من معاناتهم، كما شاركت في كتابة خطابات الجنود المصابين ونقلها إلى أسرهم، في صورة إنسانية صادقة لدور الفنان خارج إطار الأضواء.

شاركت نادية لطفي في الفيلم التسجيلي "جيوش الشمس" مع المخرج شادي عبدالسلام، الذي وثّق مشاهد حقيقية من حرب أكتوبر 1973، وسجل شهادات الجنود المصابين والجرحى داخل مستشفى قصر العيني، لتتحول النجمة إلى شاهد حي على مرحلة فارقة من تاريخ مصر، كما تعاونت في أعمال وطنية من بينها فيلمها التاريخي "الناصر صلاح الدين" مع الفنان أحمد مظهر ومن إخراج يوسف شاهين.

رغم رحيلها يبقى اسمها حاضرًا في وجدان السينما العربية، ليس فقط بما قدمته من أعمال فنية خالدة، بل بما جسدته من وعي ومسؤولية وطنية، جعلتها نموذجًا نادرًا لفنانة اختارت أن تكون صاحبة موقف قبل أن تكون نجمة.