مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

تايلاند وكمبوديا.. نزاع من أجل الثقافة والدين يهدد الأمن الإقليمي

نشر
الأمصار

تصعيد حدودي جديد يعيد النزاع التايلاندي الكمبودي إلى الواجهة

في السابع والعشرين من ديسمبر، أعلنت تايلاند وكمبوديا التوصل إلى اتفاق لوقف الاشتباكات الحدودية العنيفة التي استمرت لأسابيع، وذلك عقب مناقشات تمهيدية عُقدت ضمن لجنة حدودية مشتركة عند نقطة تفتيش بين مقاطعة بايلين الكمبودية ومقاطعة تشانثابوري التايلاندية. 

ووقّع وزيرا دفاع البلدين الاتفاق بعد نحو عشرين يومًا من القتال، الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 101 شخص وتشريد أكثر من نصف مليون مدني من الجانبين.

  وتُعد هذه المواجهات الأعنف بين البلدين في جنوب شرق آسيا منذ سنوات، إذ شملت استخدام الطائرات المقاتلة، وتبادل إطلاق الصواريخ، وقصفًا مدفعيًا مكثفًا، ما أعاد إلى الواجهة نزاعًا حدوديًا تاريخيًا لم يُحسم منذ أكثر من قرن.

 

خلفية تاريخية للنزاع الحدودي

تعود جذور الخلاف بين تايلاند وكمبوديا إلى عام 1907، عندما رسمت فرنسا، القوة الاستعمارية المسيطرة على كمبوديا آنذاك، الحدود مع مملكة سيام، الاسم السابق لتايلاند. وقد ترك هذا الترسيم إرثًا من المناطق المتنازع عليها، لا سيما في المناطق الجبلية الوعرة، حيث تتداخل الاعتبارات الجغرافية مع الرمزية الدينية والثقافية.

 

ومنذ ذلك الحين، اندلعت اشتباكات متقطعة بين البلدين، كان أبرزها حول المعابد التاريخية الواقعة على طول الحدود، وفي مقدمتها معبد برياه فيهير، الذي شكّل بؤرة توتر مستمرة وأحد أبرز رموز النزاع.

التنافس الثقافي والديني

يمثل البعد الثقافي أحد أهم أسباب النزاع، حيث تتهم كمبوديا تايلاند بالاستيلاء على عناصر من التراث الخميري، بما في ذلك الفنون والعمارة وبعض تقاليد القتال مثل “المواي تاي”، التي ترى كمبوديا أنها امتداد لفن قتالي خميري أقدم. في المقابل، يؤكد الجانب التايلاندي أن التبادل الثقافي بين الشعبين يعود إلى قرون طويلة، وأن الفتوحات التاريخية تبرر مطالباته ببعض المناطق الحدودية.

 

ويبرز معبد برياه فيهير في قلب هذا الجدل، وهو معبد هندوسي قديم خُصص لعبادة الإله شيفا، ويقع على قمة جبل دونغريك الذي يشكل حدًا طبيعيًا بين البلدين. وقد أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 2008، ما زاد من حساسيته السياسية، إذ اعتبرت تايلاند أن هذا القرار يمس سيادتها، في حين رأته كمبوديا اعترافًا دوليًا بأحقيتها في المعبد.

 

ومع تحوّل كمبوديا لاحقًا إلى البوذية التيرافادية، أصبح المعبد بوذيًا، لكنه حافظ على مكانته الروحية والتاريخية، ما جعله رمزًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد.

 

تجدد القتال وانهيار التهدئة

تجددت الاشتباكات مطلع ديسمبر 2025 عقب انهيار وقف إطلاق نار سابق، كانت الولايات المتحدة قد ساهمت في التوسط فيه خلال جولة سابقة من النزاع. وسرعان ما تصاعدت المواجهات، ما كشف هشاشة التفاهمات السابقة، وعمق انعدام الثقة بين الجانبين في ظل غياب حل نهائي لمسألة ترسيم الحدود.

 

خسائر بشرية واقتصادية واسعة

أدى النزاع المتكرر إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة. فقد تسبب القتال الأخير في نزوح جماعي غير مسبوق، حيث أعلنت وزارة الداخلية الكمبودية أن أكثر من 518 ألف شخص نزحوا قسرًا، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما دُمّرت عشرات المنازل والمدارس والمراكز الصحية، إلى جانب أضرار واسعة لحقت بالمعابد والأسواق والبنية التحتية الحيوية.

 

 

اقتصاديًا، تضرر التبادل التجاري بين البلدين نتيجة الإغلاق المتكرر للمعابر الحدودية، وهو ما انعكس سلبًا على الدخل العام. وكانت بانكوك وبنوم بنه تستهدفان رفع حجم التبادل التجاري إلى نحو 15 مليار دولار، في وقت تعتمد فيه كمبوديا بشكل كبير على الواردات التايلاندية، خاصة في مجالي الطاقة ومواد البناء.

 

كما تلقى قطاع السياحة ضربة قوية في البلدين. ففي تايلاند، يمثل هذا القطاع نحو 17.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يُعد في كمبوديا أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد، حيث بلغت إيراداته نحو 3.6 مليار دولار عام 2024.

تداعيات إقليمية ودولية محتملة

 

يتجاوز تأثير النزاع الإطار الثنائي ليطرح تساؤلات حول استقرار رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، وقدرتها على إدارة النزاعات بين أعضائها. فاستمرار المواجهات يهدد وحدة الرابطة ويضعف مصداقيتها كآلية إقليمية لحفظ الاستقرار.

 

كما يثير النزاع مخاوف من تحوله إلى ساحة تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى. فتايلاند تُعد حليفًا تقليديًا للولايات المتحدة، بينما ترتبط كمبوديا بشراكة استراتيجية وثيقة مع الصين، تشمل التجارة والاستثمار والتعاون الأمني، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

 

مستقبل غامض للتهدئة

رغم التوصل إلى اتفاق وقف الاشتباكات، تبقى فرص استدامته محدودة في ظل بقاء جذور النزاع دون حل. ويرجح مراقبون أن يشهد الملف جولات تصعيد متقطعة تتخللها تدخلات إقليمية أو دولية لفرض تهدئات مؤقتة. وسيظل النزاع بين تايلاند وكمبوديا قابلًا للاشتعال ما لم يتم التوصل إلى تسوية نهائية وشاملة لمسألة ترسيم الحدود، توازن بين الاعتبارات التاريخية والسيادة الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.