أسباب ضاغطة.. ما مستقبل الحوثيين بعد تآكل القادة وتحولات الإقليم؟
يشهد المشهد اليمني تحولًا مفصليًا في موقع جماعة الحوثيين خلال المرحلة الأخيرة من عام 2025، حيث تزامنت مجموعة من التطورات الإقليمية والدولية والداخلية التي أضعفت قدرة الجماعة على المناورة وأثّرت في تماسكها البنيوي. وتبرز مجموعة من المؤشرات التي تعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الجماعة في ظل الضغط الدولي المتصاعد، وتقلص الدعم الإقليمي، وتزايد التحديات الداخلية.
التحولات الإقليمية والدولية وتراجع النفوذ الحوثي
أول التحولات المهمة تمثل في وقف الحرب في غزة عقب توقيع اتفاق شرم الشيخ في نوفمبر 2025. فقد استند الحوثيون طيلة العامين الماضيين إلى الحرب في غزة لتبرير هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وتقديم أنفسهم باعتبارهم طرفًا في محور المقاومة. ومع توقف العمليات العسكرية في غزة، تراجع المبرر الذي اعتمدته الجماعة لتبرير تصعيدها البحري، فخفت وتيرة الهجمات بشكل واضح.
كما أدى توقف المواجهات المباشرة بين الحوثيين وإسرائيل على سواحل الحديدة ومحيط صنعاء إلى تقليص الزخم الإعلامي والدعائي الذي كانت الجماعة تستخدمه لضمان حضورها الإقليمي.
على مستوى الدعم الخارجي، أضعفت العقوبات الدولية المفروضة حديثًا على إيران، والتي استهدفت شبكات الحرس الثوري المعنية بتمويل وتسليح الجماعة، القدرة الإيرانية على توفير الدعم السابق من صواريخ وتقنيات مسيّرة.
كما أدى الانشغال العسكري لحزب الله نتيجة الضربات الإسرائيلية الواسعة إلى تراجع دوره كمزود أساسي للحوثيين بالخبرات الفنية والتدريب. ورغم عدم انقطاع القنوات بشكل كامل، إلا أن قدرة طهران على الاستثمار في الملف اليمني أصبحت أقل مما كانت عليه، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أداء الجماعة الميداني وتماسك شبكاتها العسكرية.
أما دوليًا، فقد شكّل قرار مجلس الأمن بتمديد العقوبات على الحوثيين لعام إضافي مؤشرًا واضحًا على تزايد القلق الدولي من تهديداتهم لأمن الملاحة الدولية. ويعيد هذا القرار إحياء النقاش حول إعادة تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، وهو ما من شأنه تضييق هامش الحركة السياسية والمالية أمامها. كما يعكس إجماعًا دوليًا متصاعدًا على أن الجماعة، في وضعها الراهن، لم تعد فاعلًا قابلًا للاندماج في السياق السياسي الإقليمي دون تغييرات جوهرية في سلوكها العسكري.
تصدعات داخلية وتآكل بنية الجماعة
شهدت الجماعة خلال الأشهر الماضية سلسلة من الهزات الداخلية التي كشفت هشاشة غير مسبوقة في صفوفها. فقد أدى الاستهداف الإسرائيلي لقيادات الصف الأول في صنعاء في أغسطس 2025 إلى مقتل شخصيات مركزية مثل أحمد الرهوي ومحمد عبد الكريم العماري، إلى جانب قيادات وزارية بارزة. وقد كشف هذا الهجوم عن اختراق أمني خطير داخل منظومة الجماعة، وأظهر أن الإجراءات الأمنية التقليدية لم تعد كافية لحماية كبار قادتها، الأمر الذي تسبب في ارتباك تنظيمي وتضارب في مراكز القرار.
كما شهدت الجماعة انشقاقًا نوعيًا تمثل في إعلان العميد صلاح الصلاحي، قائد اللواء العاشر صماد، انضمامه إلى قوات الحكومة المعترف بها دوليًا. ويعد هذا الانشقاق من أبرز مؤشراتها على بداية تراجع منظومة الولاء العسكري داخل الحركة، خاصة أن اللواء يمثل أحد أبرز التشكيلات القتالية التابعة لها. ويعكس هذا التطور تغيرًا في قناعات بعض القيادات الميدانية بشأن مستقبل الجماعة وقدرتها على الاستمرار.
على الصعيد الشعبي، ارتفع مستوى الاحتقان في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصًا صنعاء وذمار وعمران.
وتتعلق الشكاوى المنتشرة بسياسات الجباية القسرية، ونهب الممتلكات، والتضييق الأمني، وغياب الرواتب، وهي عوامل عمّقت الفجوة بين الجماعة والمجتمع المحلي. وقد لجأت الجماعة إلى تنفيذ حملات اعتقال موسعة في نوفمبر الماضي لإخماد الأصوات المنتقدة، فيما ساهمت الحملات الإلكترونية للمنصات المناهضة، مثل منصة واعي، في كشف انتهاكات الجماعة وتعزيز حالة الغضب الشعبي ضدها.
وفي السياق نفسه، أثّر تشديد الرقابة على الموانئ ووقف الهجمات البحرية في تقليص الموارد الاقتصادية المتاحة للجماعة. وتزامن ذلك مع صعوبات في تأمين خطوط الإمداد الخارجية، ما دفع الحوثيين إلى الاعتماد بدرجة أكبر على مصادر الجباية الداخلية. وقد أدى هذا النهج إلى زيادة الضغوط على السكان، ورفع مستوى التوتر بين الجماعة والمجتمع المحلي.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل الجماعة
تواجه حركة الحوثيين اليوم مفترق طرق معقدًا تتقاطع فيه الضغوط الدولية، وتراجع الدعم الإقليمي، والانقسامات الداخلية، مع الاحتقان الشعبي المتصاعد. وبالنظر إلى هذه العوامل، يظهر عدد من السيناريوهات المحتملة.
السيناريو الأول:
يتمثل في استمرار الجماعة كسلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها. فرغم التحديات الكبيرة، ما تزال الجماعة تملك قدرًا من التماسك يمكّنها من الحفاظ على وجودها في الشمال على المدى القريب، مستفيدة من ضعف الدولة اليمنية وتعدد الفصائل المسلحة.
السيناريو الثاني:
هو الانخراط في مسار تسوية سياسية جديدة. وقد تدفع التحولات الإقليمية والدولية نحو استعادة المسار التفاوضي، بحيث تحصل الجماعة على وضع سياسي معترف به مقابل تقديم تنازلات أمنية، بما في ذلك الحد من قدراتها العسكرية النوعية.
أما السيناريو الثالث :
فهو الانهيار التدريجي، وهو احتمال يرتبط بتزايد الانشقاقات، وتصاعد الغضب الشعبي، واستمرار الضغوط الدولية على مصادر التمويل والدعم العسكري. وفي حال استمرت الضربات الموجهة ضد قيادات الصف الأول، فإن قدرة الجماعة على الحفاظ على تماسكها ستتراجع بشكل كبير.
يبدو مستقبل الحوثيين اليوم مرتبطًا بدرجة أقل بقدراتهم الذاتية، وبدرجة أكبر بطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية التي خفّضت من مستوى نفوذهم. ومع استمرار التآكل في هياكلهم التنظيمية والعسكرية، قد تجد الجماعة نفسها أمام خيارين: القبول بتسوية سياسية تعيد دمجها في المشهد اليمني بشروط أقل من طموحاتها، أو مواجهة مسار تدريجي من التراجع يهدد مكانتها كقوة مهيمنة في شمال اليمن خلال السنوات المقبلة.