واشنطن ترفض منح أبو مازن ومسؤولين فلسطينيين تأشيرات.. سيناريو 1988 يعود للواجهة

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، رفضت وزارة الخارجية الأمريكية إصدار تأشيرات دخول لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وقرابة 80 مسؤولًا فلسطينيًا، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة الشهر المقبل في نيويورك.
القرار أعاد إلى الأذهان سيناريو عام 1988، حين اضطرت الأمم المتحدة لنقل جلستها إلى جنيف بعد رفض واشنطن استقبال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
تفاصيل القرار الأمريكي
وأكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن الوزير الحالي، ماركو روبيو، أصدر قرارًا يقضي بإلغاء ومنع إصدار التأشيرات لمسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، استنادًا إلى تشريعات أمريكية تتيح فرض قيود على أطراف تعتبرها واشنطن غير ملتزمة بالاتفاقيات أو تقوض فرص التسوية السياسية.
وجاء في بيان رسمي للوزارة:وفقًا للقانون الأمريكي، يرفض وزير الخارجية منح تأشيرات دخول لأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب واضحة بأن من مصلحة الأمن القومي الأمريكي محاسبة منظمة التحرير والسلطة على عدم الوفاء بالتزاماتها وتقويض آفاق السلام".
وأوضح البيان أن بعثة السلطة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة ستظل قادرة على العمل من خلال إعفاءات خاصة يضمنها اتفاق مقر المنظمة الدولية، لكنه شدد على أن واشنطن ستبقى منفتحة على إعادة التواصل شريطة التزام السلطة الفلسطينية بخطوات ملموسة نحو مسار تسوية سلمي مع دولة إسرائيل".
الموقف الفلسطيني
على الجانب الآخر، كشف مسؤول فلسطيني كبير لموقع العين الإخبارية أن الوفد الفلسطيني تقدم رسميًا بطلبات تأشيرات للولايات المتحدة منذ أسابيع، بهدف المشاركة في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه لم يتلقَّ أي رد حتى صدور قرار الرفض.
وأكد المسؤول أن الرئيس محمود عباس كان يخطط لإلقاء خطاب مهم أمام الجمعية العامة، يتناول فيه تطورات الحرب في غزة، واستمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتحديات التي تواجه السلطة الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا.
من جانبه، أوضح رياض منصور، السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، أن الوفد يسعى للحصول على تفاصيل أوفى بشأن ما يعنيه القرار الأمريكي، مضيفًا: "سوف نرد وفقًا لذلك، ولن نقبل تقييد مشاركتنا في أعمال المنظمة الدولية".
الأمم المتحدة ترد
في المقابل، شدد ستيفان دوغاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، على أن مشاركة جميع الأطراف في اجتماعات الجمعية العامة أمر ضروري مضيفًا: نأمل أن يُحل هذا الأمر سريعًا بما يسمح بمشاركة الوفد الفلسطيني إلى جانب بقية الدول الأعضاء والمراقبين.
دوغاريك لفت إلى أن اتفاقية مقر الأمم المتحدة الموقعة بين واشنطن والمنظمة الدولية تنص بوضوح على التزام الدولة المستضيفة بعدم منع مشاركة أي طرف مدعو رسميًا إلى اجتماعاتها، وهو ما قد يضع الولايات المتحدة في مواجهة قانونية ودبلوماسية إذا أصرت على موقفها.
عودة سيناريو 1988
القرار الأمريكي أثار تساؤلات حول إمكانية تكرار سيناريو عام 1988، حين رفضت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان منح تأشيرة لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة في نيويورك.
إزاء ذلك، اضطرت الأمم المتحدة لعقد اجتماع استثنائي في مدينة جنيف السويسرية، حيث تمكن عرفات من إلقاء خطابه التاريخي الذي أكد فيه التزام منظمة التحرير بالسلام، في خطوة شكلت حينها نقطة تحول في الاعتراف الدولي بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.
اليوم، يجد المراقبون أنفسهم أمام مشهد مشابه، حيث يُحرم الرئيس الفلسطيني محمود عباس من منصة الأمم المتحدة، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تعامل المنظمة الدولية مع هذا التحدي، وما إذا كانت ستعيد تكرار تجربة جنيف.

أبعاد سياسية للقرار
صحيفة الغارديان البريطانية اعتبرت أن الخطوة الأمريكية تأتي في إطار تقارب واضح بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي ترفض رفضًا قاطعًا أي حديث عن إقامة دولة فلسطينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين الإسرائيليين دأبوا خلال السنوات الماضية على المساواة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، رغم التباين الكبير بينهما، معتبرين أن كلاهما يهدد الأمن الإسرائيلي.
القرار الأمريكي، بحسب مراقبين، يحمل رسالة سياسية مفادها أن واشنطن غير مستعدة للتعامل مع القيادة الفلسطينية الحالية إلا إذا قدمت تنازلات جوهرية خاصة في ما يتعلق بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، ووقف أي تحرك دولي لمساءلة تل أبيب أمام المحكمة الجنائية الدولية.
انتقادات وحقوق دولية
من الناحية القانونية، يرى خبراء أن الولايات المتحدة ملزمة، بموجب الاتفاقيات الدولية، بالسماح لجميع الوفود بدخول أراضيها لحضور اجتماعات الأمم المتحدة، بغض النظر عن خلافاتها السياسية مع تلك الأطراف.
ويؤكد هؤلاء أن رفض منح التأشيرات يضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع التزاماتها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة، وهو ما قد يستدعي تدخل الجمعية العامة أو حتى مجلس الأمن لإيجاد صيغة بديلة تضمن مشاركة الوفد الفلسطيني.
كما يذكّر مراقبون بأن مطالبات مشابهة برفض منح تأشيرات لقادة دول متهمة بانتهاكات حقوقية أو سياسية لم تجد طريقها للتنفيذ سابقًا، ما يجعل الإجراء ضد الوفد الفلسطيني استثناءً يثير الشبهات حول دوافعه السياسية.
ويتوقع محللون أن يؤدي القرار الأمريكي إلى:
1. توتر إضافي في العلاقات الفلسطينية – الأمريكية، التي تشهد فتورًا منذ سنوات.
2. إحراج دبلوماسي لواشنطن أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
3. إمكانية لجوء الفلسطينيين وحلفائهم إلى الدعوة لعقد الاجتماع الأممي في جنيف أو أي مدينة أخرى.
4. تعزيز الرواية الفلسطينية بأن الولايات المتحدة فقدت دورها كوسيط نزيه في عملية السلام.
رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات للرئيس محمود عباس و80 مسؤولًا فلسطينيًا لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يمثل رسالة سياسية ذات أبعاد استراتيجية، في وقت تعيش فيه المنطقة توترًا متصاعدًا بين الفلسطينيين وإسرائيل.
وفي ظل الذكريات الحاضرة لسيناريو 1988، يظل السؤال مطروحًا: هل ستكرر الأمم المتحدة التجربة وتنقل اجتماعها إلى خارج نيويورك لضمان مشاركة الوفد الفلسطيني، أم أن الضغوط الأمريكية ستفرض واقعًا جديدًا على الساحة الدولية.