دراسات وأبحاث

عودة قراصنة الصومال.. كيف أعادت أزمات الشرق الأوسط أخطر تهديد للملاحة الدولية؟

الثلاثاء 28 يوليو 2026 - 12:11 ص
مصطفى سيد
الأمصار

بعد سنوات من التراجع الذي اعتبره كثيرون نهاية فعلية لظاهرة القرصنة الصومالية، عادت الهجمات البحرية لتفرض نفسها مجددًا على أجندة الأمن الدولي، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، وانشغال القوى البحرية الكبرى بملفات أكثر إلحاحًا، على رأسها الحرب المرتبطة بإيران والتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الجماعات المسلحة التي تنشط قبالة السواحل الصومالية لم تعد تعتمد على الأساليب التقليدية في تنفيذ عملياتها، بل أعادت إحياء تكتيكات أثبتت فعاليتها خلال ذروة نشاطها قبل أكثر من عقد، وفي مقدمتها استخدام السفن المختطفة باعتبارها "سفنًا أم" تنطلق منها الزوارق السريعة لتنفيذ هجمات متتالية ضد السفن التجارية وسفن الصيد، وهو تطور يثير مخاوف واسعة من عودة الأزمة التي كلفت الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات في السابق.

انشغال دولي وفراغ أمني

يرى مراقبون أن التراجع النسبي في جهود مكافحة القرصنة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تحول أولويات القوى البحرية الدولية نحو حماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي، مع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة.

هذا التحول أدى إلى تقليص الدوريات البحرية المخصصة لمراقبة خليج عدن والمياه المقابلة للقرن الأفريقي، وهي المناطق التي كانت خلال السنوات الماضية تخضع لرقابة مكثفة من قوات بحرية متعددة الجنسيات.

ويعتقد خبراء الأمن البحري أن هذا الفراغ منح القراصنة فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم، مستفيدين من انخفاض مستوى الضغط العسكري الذي كان يحد من تحركاتهم خلال العقد الماضي.

تكتيك "السفن الأم" يعود من جديد

أخطر ما كشفته التطورات الأخيرة يتمثل في عودة استخدام ما يعرف بـ"السفن الأم"، وهو الأسلوب الذي منح القراصنة الصوماليين قدرة كبيرة على توسيع نطاق عملياتهم خلال الفترة بين عامي 2005 و2012.

وتقوم الفكرة على الاستيلاء على سفينة تجارية كبيرة وتحويلها إلى قاعدة بحرية متحركة تحمل الزوارق السريعة والأسلحة والوقود والمؤن، بما يسمح للقراصنة بالعمل على مسافات بعيدة عن الشاطئ، والوصول إلى طرق الملاحة الدولية التي تمر بها آلاف السفن سنويًا.

ويعد هذا التكتيك أكثر خطورة من الهجمات التقليدية، لأنه يمنح المهاجمين مرونة عملياتية أكبر، كما يصعب على القوات البحرية تعقبهم في ظل اتساع المساحات البحرية.

سفينة شحن تتحول إلى منصة للهجمات

بحسب المعلومات المتداولة، استخدم القراصنة سفينة الشحن "إم في سوارد" كمنصة لتنفيذ عمليات جديدة بعد الاستيلاء عليها.

وكانت السفينة، وهي ناقلة أسمنت بطول يقارب 330 قدمًا، قد تعرضت للاختطاف أثناء توجهها إلى ميناء مومباسا الكيني، وعلى متنها طاقم مكون من 15 بحارًا.

وبعد السيطرة عليها، جرى نقلها إلى مناطق ساحلية داخل الصومال، قبل أن تتحول لاحقًا إلى قاعدة عائمة تنطلق منها الهجمات ضد سفن الصيد والسفن التجارية في المنطقة.

ويرى متخصصون أن استخدام سفينة بهذا الحجم يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط والتنظيم، ويؤكد أن الجماعات التي تقف وراء العمليات استعادت جزءًا كبيرًا من قدراتها السابقة.

التقارير الأمنية تشير إلى أن القراصنة تمكنوا خلال الفترة الأخيرة من احتجاز عدد من السفن في المياه القريبة من ولاية بونتلاند.

وضمت قائمة السفن المحتجزة ناقلات نفط وسفن شحن وناقلات مواد كيميائية وسفن صيد، بينما طالب الخاطفون بفديات مالية كبيرة مقابل الإفراج عنها.

ورغم إطلاق سراح بعض السفن لاحقًا، فإن استمرار وجود أخرى تحت سيطرة القراصنة يعكس قدرة هذه الجماعات على الاحتفاظ برهائن لفترات طويلة، وهي إحدى الوسائل التي استخدمتها سابقًا لتحقيق أرباح ضخمة.

تعتمد عصابات القرصنة الصومالية بصورة أساسية على الفديات باعتبارها المصدر الرئيسي للتمويل.

وفي كثير من الحالات السابقة، دفعت شركات الشحن وشركات التأمين ملايين الدولارات مقابل الإفراج عن السفن وأطقمها، وهو ما شجع القراصنة على توسيع نشاطهم.

ويرى خبراء الاقتصاد البحري أن مجرد عودة عمليات الاختطاف، حتى وإن كانت محدودة، قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن، وزيادة أسعار النقل البحري، وهو ما ينعكس في النهاية على حركة التجارة العالمية.

لا تواجه السلطات الصومالية القراصنة بالسلاح فقط، بل تصطدم أيضًا بتشابكات اجتماعية وقبلية معقدة.

ففي بعض المناطق الساحلية يتمتع قادة عصابات القرصنة بعلاقات قبلية توفر لهم غطاءً اجتماعيًا، وهو ما يصعب عمليات القبض عليهم أو ملاحقتهم.

وتشير الوقائع الأخيرة إلى أن السلطات تمكنت من اعتقال أحد أبرز المسؤولين عن إدارة مفاوضات الفدية، إلا أن مسلحين شنوا هجومًا على مركز الشرطة في محاولة لتحريره، ما أسفر عن سقوط قتيل وإصابة شرطي آخر، قبل أن يتم نقل المتهم إلى مكان أكثر تأمينًا.

ويؤكد هذا التطور أن شبكات القرصنة لا تزال تمتلك نفوذًا محليًا يسمح لها بالتحرك والدفاع عن عناصرها.

لم تقتصر التحديات الأمنية على عمليات الاختطاف، بل امتدت إلى استهداف المسؤولين المكلفين بمكافحة القرصنة.

فقد شهدت إحدى المناطق الساحلية اغتيال قائد محلي لجهود مكافحة القرصنة، في حادث اعتبره مراقبون مؤشرًا على تصاعد جرأة الجماعات المسلحة.

ويرى محللون أن استهداف القيادات الأمنية يهدف إلى إضعاف قدرة السلطات على ملاحقة القراصنة، وبث رسالة مفادها أن المواجهة ستكون أكثر كلفة خلال المرحلة المقبلة.

لماذا تراجعت القرصنة سابقًا؟

شهدت الفترة الممتدة من عام 2012 وحتى السنوات الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في عدد الهجمات البحرية.

ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها:

وأسهمت هذه الإجراءات في تقليص الهجمات بنسبة تجاوزت 90% مقارنة بذروة نشاط القراصنة.

مع اندلاع الأزمات الأمنية في البحر الأحمر والخليج، اضطرت القوى الدولية إلى إعادة توزيع قدراتها العسكرية.

وأصبحت حماية الممرات الملاحية المرتبطة بالطاقة والتجارة في الشرق الأوسط أولوية تتقدم على ملفات أخرى، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جهود مكافحة القرصنة في القرن الأفريقي.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يسمح بعودة التنظيمات البحرية الإجرامية إلى مستويات نشاط غير مسبوقة.

وتمر نسبة كبيرة من التجارة العالمية عبر الممرات البحرية القريبة من القرن الأفريقي، كما تعبر آلاف السفن سنويًا خليج عدن في طريقها إلى قناة السويس أو المحيط الهندي.

وأي تصاعد في عمليات القرصنة قد يؤدي إلى:

ولهذا السبب تنظر شركات النقل البحري بقلق شديد إلى عودة هذه الظاهرة.

هل تتكرر أزمة العقد الماضي؟

يتذكر قطاع النقل البحري جيدًا سنوات الذروة بين 2005 و2012، عندما أصبحت السفن التجارية أهدافًا شبه يومية للقراصنة.

وخلال تلك الفترة، اضطرت بعض السفن إلى الإبحار لمسافات أطول لتجنب المناطق الخطرة، بينما دفعت شركات الملاحة مبالغ ضخمة لتأمين رحلاتها.

ويرى متخصصون أن الظروف الحالية تختلف في بعض الجوانب، إلا أن استمرار الفراغ الأمني قد يعيد جزءًا من ذلك السيناريو إذا لم تُتخذ إجراءات سريعة.

ويرى خبراء الأمن البحري أن مواجهة عودة القرصنة تتطلب استراتيجية متعددة المحاور، تشمل:

كما يؤكدون أن الحل العسكري وحده لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع برامج تنموية تعالج جذور الأزمة داخل الصومال.

تشير المؤشرات الحالية إلى أن عودة القراصنة ليست مجرد حوادث معزولة، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من النشاط المنظم، خاصة مع إعادة استخدام "السفن الأم" واتساع نطاق الهجمات.

وفي المقابل، ما تزال القوى البحرية الدولية تمتلك القدرة على احتواء التهديد إذا أعادت توجيه جزء من مواردها نحو القرن الأفريقي، ومنعت القراصنة من تثبيت موطئ قدم جديد في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وبين انشغال المجتمع الدولي بأزمات الشرق الأوسط، واستغلال الجماعات الإجرامية لحالة الفراغ الأمني، تبدو الملاحة الدولية أمام اختبار جديد يعيد إلى الواجهة أحد أخطر التهديدات التي عرفتها التجارة البحرية خلال العقود الأخيرة. 

فإذا لم تتوافر استجابة دولية منسقة وسريعة، فقد تتحول العمليات المحدودة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة إلى موجة أوسع تعيد رسم خريطة المخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن، وتفرض تحديات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود الصومال لتطال حركة التجارة العالمية بأكملها.