تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز وارداتها من الغاز الطبيعي القادم من شمال أفريقيا، في إطار خطتها لتقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية، مع اقتراب موعد تطبيق حظر عقود الغاز الروسي طويلة الأجل مطلع عام 2027. غير أن قدرة كل من الجزائر وليبيا على سد جزء من الفجوة المرتقبة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالإنتاج والاستثمارات والأوضاع السياسية، وفقًا لتقرير نشرته مجلة "موديرن دبلوماسي".
وجاء توقيع اتفاقية موسعة بين الجزائر وألمانيا في برلين ليعكس توجهًا أوروبيًا متزايدًا نحو الاعتماد على الغاز الجزائري باعتباره مصدرًا قريبًا وبديلًا للإمدادات الروسية، إلا أن تفاصيل الاتفاق الخاصة بالكميات والأسعار ومدة التوريد لم تُعلن، كما أن الزيادة المتوقعة في الصادرات لن تبدأ قبل يناير 2027، بالتزامن مع دخول الحظر الأوروبي على عقود الغاز الروسي طويلة الأجل حيز التنفيذ.
وتشير التقديرات إلى أن الاتحاد الأوروبي يمضي في تنفيذ خطة تدريجية لإنهاء الاعتماد على الغاز الروسي، إذ تنتهي عقود الغاز الطبيعي المسال قصيرة الأجل خلال أبريل المقبل، بينما تنتهي عقود خطوط الأنابيب قصيرة الأجل في يونيو 2026، على أن يتم حظر عقود خطوط الأنابيب طويلة الأجل بحلول سبتمبر 2027.
وتتمتع الجزائر بقدرات تصديرية كبيرة عبر خطوط الأنابيب، إذ تصل الطاقة الاستيعابية لخط "ترانسميد" الواصل إلى إيطاليا إلى 33.5 مليار متر مكعب سنويًا، في حين تبلغ الصادرات الحالية نحو 21 مليار متر مكعب. إلا أن هذه الطاقة غير المستغلة لا تعني وجود كميات جاهزة للتصدير، في ظل ارتفاع الطلب المحلي على الغاز داخل الجزائر بنحو 4% سنويًا، بعدما بلغ الاستهلاك 53 مليار متر مكعب خلال عام 2023.

وفي هذا الإطار، تواصل شركة "سوناطراك" الجزائرية تنفيذ برنامج استثماري بقيمة 50 مليار دولار، إلى جانب إبرام اتفاقيات مع شركات دولية، من بينها "شيفرون" الأمريكية و"إكسون موبيل" الأمريكية، بهدف تطوير حقول غاز جديدة، إلا أن هذه المشروعات تحتاج إلى فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات قبل أن تنعكس على مستويات الإنتاج.
أما ليبيا، فتُعد فرصة واعدة لتعزيز الإمدادات الأوروبية، لكنها تواجه تحديات أمنية وسياسية مستمرة. فقد ارتفع إنتاج النفط الليبي إلى نحو 1.43 مليون برميل يوميًا، بينما تستثمر شركة "إيني" الإيطالية نحو 10 مليارات دولار في مشروعات تستهدف إضافة 800 مليون متر مكعب سنويًا إلى صادرات الغاز عبر خط "غرين ستريم" المتجه إلى إيطاليا، غير أن استمرار الانقسامات السياسية وضعف المؤسسات يثيران مخاوف بشأن استقرار الإمدادات على المدى الطويل.
ويرى التقرير أن السيناريو الأكثر ترجيحًا حتى عام 2030 يتمثل في قدرة الجزائر وليبيا على توفير زيادات محدودة في صادرات الغاز، في حين ستواصل أوروبا الاعتماد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة وقطر، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بالإمدادات التقليدية.
وأشار التقرير إلى أن أي اضطرابات سياسية داخل ليبيا، أو استمرار نمو الاستهلاك المحلي في الجزائر، قد يقلصان قدرة البلدين على تلبية التوقعات الأوروبية، ما يجعل خطة الاتحاد الأوروبي للتخلي عن الغاز الروسي تسير بوتيرة أسرع من نمو القدرات الإنتاجية الجديدة في شمال أفريقيا، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام أمن الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة.