دراسات وأبحاث

6 مرشحين بمواجهة واحدة.. من يملك مفاتيح قيادة الأمم المتحدة بعد غوتيريش؟

السبت 25 يوليو 2026 - 03:03 م
جهاد جميل
الأمصار

تدخل الأمم المتحدة مرحلة مفصلية مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، وسط سباق دبلوماسي مفتوح لاختيار خليفته، في وقت تواجه فيه المنظمة الدولية واحدة من أصعب مراحلها منذ سنوات، بفعل أزمة مالية متفاقمة، وتراجع الثقة في قدرتها على التعامل مع الأزمات العالمية، إلى جانب ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.

ويضم السباق حتى الآن 6 مرشحين، بينهم رؤساء سابقون، ودبلوماسيون بارزون، ومسؤولون أمميون، فيما تبدو المنافسة مفتوحة على جميع الاحتمالات، دون أن يبرز حتى الآن اسم يحظى بتفوق حاسم على منافسيه.

معركة في قلب المنظمة الدولية

في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاض المرشحون الستة مناظرة استمرت 90 دقيقة، في واحدة من أبرز محطات السباق قبل بدء عملية الاختيار الرسمية. وشارك في طرح الأسئلة دبلوماسيون وموظفون أمميون وممثلون عن المجتمع المدني، بينما حاول كل مرشح تقديم رؤيته لمستقبل المنظمة التي تواجه تحديات متشابكة.

وتضم قائمة المرشحين الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا غرينسبان، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال، إلى جانب سفيرة غويانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغيز-بوركيت.

وأكدت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك أن المنظمة تحتاج في عالم شديد التفتت إلى قيادة تتمتع بالكفاءة والنزاهة، وقادرة على الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة وأركانه الأساسية: السلام والأمن، وحقوق الإنسان، والتنمية.

أزمة مالية وضغوط أمريكية

يأتي السباق على منصب الأمين العام في وقت تعاني فيه الأمم المتحدة من أزمة مالية حادة، بالتزامن مع انتقادات أمريكية متصاعدة تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي ترى أن المنظمة تعاني من إنفاق غير منضبط، وتداخل في الأدوار، وضعف في تحقيق نتائج ملموسة.

وتدفع واشنطن باتجاه إعادة تركيز المنظمة على ملفي السلام والأمن، بينما تتمسك دول أخرى بأهمية الحفاظ على التوازن بين الأركان الثلاثة لعمل الأمم المتحدة، بما يشمل حقوق الإنسان والتنمية.

ويواجه الأمين العام المقبل مهمة شديدة التعقيد، إذ سيكون مطالبًا بالتعامل مع الولايات المتحدة والدول الأربع الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين، التي تملك حق النقض، إلى جانب محاولة الحفاظ على دعم بقية الدول الأعضاء.

ويرى المحلل في مجموعة الأزمات الدولية ريتشارد غوان أن السباق الحالي يفتقر إلى الزخم الذي اتسمت به منافسة عام 2016، مشيرًا إلى أن المرشحين يتعاملون بحذر شديد لتجنب إغضاب القوى الكبرى صاحبة حق النقض.

اقتراع سري يحدد مستقبل السباق

في 30 يوليو/تموز، يجري أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر أول تصويت استطلاعي سري لاختيار المرشح الذي يرونه الأنسب لتولي المنصب. ومن المتوقع أن تتبع ذلك جولات أخرى من التصويت، إلى أن يتمكن أحد المرشحين من الحصول على تسعة أصوات على الأقل، من دون مواجهة أي اعتراض من الدول الخمس دائمة العضوية.

وبعد اختيار المرشح، يُحال اسمه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقرار تعيينه رسميًا، على أن يبدأ الأمين العام الجديد مهامه في الأول من يناير/كانون الثاني 2027.

وبحسب تقديرات دبلوماسية، يُنظر إلى رافائيل غروسي باعتباره أحد أبرز المرشحين، لكن حسم السباق لا يبدو مضمونًا، مع وجود دعم قوي لمرشحين آخرين، بينهم ريبيكا غرينسبان وكارولين رودريغيز-بوركيت. كما لا يستبعد مراقبون ظهور اسم جديد في اللحظات الأخيرة.

باشليه.. طموح نسائي لكسر تقليد تاريخي

تسعى ميشيل باشليه، البالغة من العمر 74 عامًا، إلى تحقيق سابقة تاريخية بأن تصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وتمتلك الرئيسة التشيلية السابقة خبرة سياسية ودولية واسعة، بعدما تولت رئاسة تشيلي لفترتين، كما شغلت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2018 و2022.

وتطرح باشليه خبرتها في إدارة الملفات السياسية والحقوقية بوصفها أحد أبرز عناصر قوتها، بينما ترى أن وصول امرأة إلى قمة المنظمة الدولية سيكون رسالة مهمة إلى العالم.

غروسي.. خبرة نووية في زمن التوترات

أما الأرجنتيني رافائيل غروسي، فيستند إلى خبرة طويلة في الدبلوماسية والطاقة النووية، إذ يشغل منذ عام 2019 منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويرى غروسي أن خبرته تمنحه أفضلية في ظل تصاعد المخاوف من انتشار الأسلحة النووية وعودة التوترات بين القوى الكبرى. كما يدعم برنامج إصلاح الأمم المتحدة المعروف باسم "UN80"، ويدعو إلى تبسيط هيكل المنظمة ودمج بعض الهيئات للحد من التكاليف وتكرار الاختصاصات.

مرشحون بخبرات متنوعة ورسائل مختلفة

تقدم ماريا فرناندا إسبينوزا خبرة سياسية وأممية واسعة، إلى جانب اهتمامها بالتنمية المستدامة والتغير المناخي، وتؤكد أن الأزمة المالية التي تواجه الأمم المتحدة تفرض خيارًا واضحًا بين الإصلاح والتحول أو الفشل.

أما ريبيكا غرينسبان، فتملك خبرة اقتصادية ودبلوماسية كبيرة، وتدعو إلى منظمة أكثر جرأة وقدرة على الابتكار، مع دعم توسيع تمثيل مجلس الأمن ومنح أفريقيا وأمريكا اللاتينية حضورًا أكبر.

ويحمل ماكي سال خبرة رئاسية بعد قيادته السنغال بين عامي 2012 و2024، بينما تمثل كارولين رودريغيز-بوركيت صوتًا جديدًا في السباق، مستندة إلى خبرتها الدبلوماسية واهتمامها بقضايا السكان الأصليين.

امرأة أو مرشح من أمريكا اللاتينية؟

يحمل السباق الحالي بعدًا جغرافيًا وتاريخيًا مهمًا، إذ تطالب دول أمريكا اللاتينية بتولي المنصب وفق تقليد غير ملزم للتداول الجغرافي، بينما تتزايد الدعوات إلى انتخاب امرأة للمرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة.

وبينما تظل الحسابات السياسية داخل مجلس الأمن العامل الأهم في تحديد هوية الفائز، فإن الأمين العام المقبل سيواجه منظمة تحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير في القيادة؛ إذ سيكون مطالبًا بإعادة بناء الثقة، ومعالجة الأزمة المالية، وإعادة ضبط العلاقة بين القوى الكبرى، واستعادة قدرة الأمم المتحدة على التحرك في عالم تزداد أزماته تعقيدًا.

ومع بدء الاقتراع السري، يتحول السباق من مرحلة التصريحات والمواقف إلى اختبار حقيقي للتحالفات الدولية، وقد تكشف الجولات المقبلة عن مفاجآت تغير موازين المنافسة بالكامل.