دراسات وأبحاث

انعكاسات اقتصادية.. كيف يهدد حصار الحوثيين للبحر الأحمر التجارة العالمية؟

السبت 25 يوليو 2026 - 12:25 ص
غاده عماد
الأمصار

دخلت الممرات البحرية الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر، بعد إعلان جماعة الحوثي في 20 يوليو 2026 فرض حصار بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية، في خطوة تمثل تصعيدًا خطيرًا قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل تزامنه مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا، الأمر الذي يضع التجارة الدولية أمام تحديات متزامنة في منطقتين بحريتين حيويتين. ويؤدي اجتماع الاضطرابات في مضيقي هرمز وباب المندب إلى زيادة المخاطر التي تواجه السفن وناقلات النفط، ورفع تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن احتمالات إعادة رسم مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.

ويعد مضيق باب المندب بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، كما يمثل المدخل البحري الرئيسي أمام السفن المتجهة إلى قناة السويس، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ذا تأثير مباشر على التجارة العالمية وحركة السفن العابرة بين الشرق والغرب.

صدمة محتملة في إمدادات النفط

يُعد النفط من أبرز القطاعات التي يمكن أن تتأثر بتصاعد التوترات في باب المندب، نظرًا إلى حجم الإمدادات التي تمر عبر هذا الممر البحري. ووفق البيانات الواردة في التحليل، مر عبر المضيق نحو 5.7 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته عام 2020، قبل أن يرتفع الرقم إلى 8 ملايين برميل يوميًا عام 2022، ثم إلى 9.3 مليون برميل يوميًا عام 2023.

ورغم انخفاض حركة الإمدادات خلال عام 2024 والنصف الأول من 2025، ارتفعت الكميات العابرة للمضيق إلى نحو 6.2 مليون برميل يوميًا في يونيو 2026، في ظل اتجاه بعض السفن إلى استخدام باب المندب باعتباره بديلًا للممرات البحرية المتأثرة بالتوترات، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

إلا أن انتقال التوتر إلى باب المندب يهدد بتقويض هذا البديل، خاصة مع إعلان جماعة الحوثي استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، وهو ما يزيد المخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل المزيد من السفن التجارية وناقلات الطاقة.

وفي حال استمرار التهديدات، قد تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة مدة الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين، بما ينعكس في النهاية على أسعار النفط والسلع في الأسواق العالمية.

ارتفاع أسعار النفط يفاقم الضغوط الاقتصادية

أظهرت حركة أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة مدى حساسية الأسواق تجاه التطورات الأمنية في الممرات البحرية. فقد ارتفع سعر خام برنت من 85.99 دولار للبرميل في 15 يوليو 2026 إلى 91.01 دولار في 21 يوليو، قبل أن يصل إلى نحو 97.7 دولار للبرميل صباح 23 يوليو، وهو أعلى مستوى يسجله منذ أكثر من ستة أسابيع، وفق البيانات الواردة في التحليل.

ويعكس هذا الارتفاع حالة القلق التي تسيطر على الأسواق بشأن مستقبل إمدادات الطاقة، خصوصًا أن باب المندب يمر عبره جزء مهم من تجارة النفط العالمية، فضلًا عن ارتباطه بشبكة من الممرات البحرية التي تشكل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

وتزداد خطورة الوضع مع تراجع صادرات النفط الخام السعودية من نحو 3.986 مليون برميل يوميًا في أبريل 2026 إلى 3.434 مليون برميل يوميًا في مايو من العام نفسه، بحسب البيانات المشار إليها في التحليل. ويعني استمرار الاضطرابات البحرية احتمال تعرض تدفقات النفط لمزيد من الضغوط، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويزيد تكلفة الطاقة على الاقتصادات المستوردة.

التجارة العالمية أمام اختبار جديد

لا تقتصر تداعيات اضطراب باب المندب على النفط، إذ يمر عبر هذا الممر البحري ما بين 10% و12% من التجارة البحرية العالمية، باعتباره طريقًا رئيسيًا لحركة البضائع بين آسيا وأوروبا.

ومن شأن استمرار التوترات أن يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، خاصة إذا اضطرت السفن إلى الابتعاد عن البحر الأحمر والاتجاه نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة.

ويترتب على هذا التحول ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة زمن الرحلات، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلكين عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وتشير التقديرات الواردة في التحليل إلى إمكانية ارتفاع أسعار السلع العالمية بنسبة تصل إلى 16% خلال عام 2026، في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والمعادن، إلى جانب استمرار الضغوط على أسواق الغذاء. كما ارتفع مؤشر الغذاء العالمي من 124.1 نقطة في يناير 2026 إلى 130.3 نقطة في يونيو من العام نفسه، بما يعكس تصاعد الضغوط على الأسواق الغذائية.

قناة السويس في قلب التداعيات

تعد قناة السويس من أكثر الممرات التي يمكن أن تتأثر بصورة مباشرة بالاضطرابات في باب المندب، إذ يمثل المضيق المدخل الجنوبي للسفن المتجهة إلى البحر الأحمر ومنه إلى القناة.

وبالتالي، فإن أي تهديد لحركة الملاحة في باب المندب يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم جدوى المرور عبر البحر الأحمر، خاصة مع ارتفاع المخاطر الأمنية.

وأشارت البيانات الواردة في التحليل إلى أن عددًا من ناقلات النفط بدأ بالفعل في تغيير مساراته لتجنب منطقة التوتر، إذ غيرت خمس ناقلات مسارها في البحر الأحمر، بينما اتجهت ناقلتان منها إلى قناة السويس.

ورغم ذلك، فإن استمرار التهديدات قد يؤدي إلى انخفاض أعداد السفن العابرة للقناة مقارنة بمستوياتها خلال فترات الاستقرار، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على حركة التجارة الدولية وعلى الاقتصادات المرتبطة بإيرادات الممرات البحرية.

الاقتصادات النامية الأكثر تضررًا

تنعكس اضطرابات الممرات البحرية بصورة أكبر على الدول النامية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء والطاقة والسلع الأساسية.

فارتفاع تكاليف الشحن والنفط يؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات، وهو ما يضغط على الموازنات العامة ويزيد معدلات التضخم ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

كما أن الدول التي تعتمد على استيراد الوقود تواجه تحديات مضاعفة، إذ يتزامن ارتفاع أسعار النفط مع زيادة تكاليف النقل والتأمين، ما يرفع تكلفة الإنتاج والخدمات ويزيد من الضغوط على المستهلكين.

وبذلك تتحول الأزمة الأمنية في الممرات البحرية إلى أزمة اقتصادية ممتدة، تتجاوز حدود الدول المتورطة مباشرة في الصراع لتؤثر في الأسواق العالمية.

البحث عن ممرات بديلة

يفرض استمرار التوترات البحرية على الدول والشركات البحث عن بدائل لتأمين تدفقات الطاقة والتجارة. ومن أبرز هذه البدائل الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية التي تربط مناطق الإنتاج بالموانئ البحرية البديلة.

ويأتي في مقدمة هذه البدائل خط أنابيب الشرق والغرب في السعودية، وخط أنابيب حبشان الفجيرة في الإمارات، إلى جانب تطوير ممرات أخرى تصل إلى البحر المتوسط.

وتكشف هذه التحركات عن اتجاه متزايد نحو تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط خلال الأزمات والصراعات، خصوصًا في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي

أدت الأزمات المتكررة في أسواق الطاقة إلى تعزيز الاتجاه العالمي نحو الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري القادم من مناطق تشهد توترات أمنية متكررة.

وبحسب المعطيات الواردة في التحليل، بلغت الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة نحو 2.3 تريليون دولار، مع استمرار نمو الاستثمارات خلال عام 2026.

كما شهد قطاع النقل الكهربائي توسعًا كبيرًا، إذ بلغت قيمة الاستثمارات في المركبات الكهربائية وأنظمة النقل المعتمدة على الكهرباء نحو 0.9 تريليون دولار عام 2025.

وتشير هذه الاتجاهات إلى أن اضطرابات الممرات البحرية قد تسرع عملية التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، باعتبارها وسيلة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على النفط والغاز.

التكنولوجيا تعيد تشكيل أمن الممرات البحرية

من المتوقع أن تلعب التكنولوجيا دورًا متزايدًا في تأمين الممرات البحرية خلال السنوات المقبلة، عبر استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية لمراقبة حركة السفن والتنبؤ بالمخاطر.

كما يمكن أن تسهم تقنيات الرصد البحري في اكتشاف التهديدات مبكرًا، وتحسين قدرة الدول على حماية خطوط الملاحة والتعامل مع الأزمات.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لإنهاء المخاطر، إذ يظل تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة العامل الأكثر أهمية لضمان حرية الملاحة واستمرار تدفق التجارة.

مستقبل مفتوح على عدة سيناريوهات

يبدو مستقبل حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار التصعيد العسكري والسياسي في المنطقة. ففي حال استمرار التهديدات، قد تتجه المزيد من الشركات إلى تغيير مساراتها، بما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة وتراجع حركة التجارة عبر قناة السويس.

أما إذا نجحت الجهود السياسية في احتواء التوترات، فقد تعود حركة الملاحة تدريجيًا إلى مستويات أكثر استقرارًا، مع بقاء الشركات حذرة في تقييم المخاطر.

وفي جميع الأحوال، كشفت التطورات الأخيرة عن هشاشة النظام التجاري العالمي أمام اضطراب الممرات البحرية، كما أكدت أن أمن باب المندب ومضيق هرمز لا يمثل قضية إقليمية فحسب، بل يرتبط مباشرة بأمن الطاقة واستقرار الأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي النهاية، فإن استمرار استخدام الممرات البحرية كساحات للصراع يهدد بتعميق الأزمات الاقتصادية العالمية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والنقل. ولذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك سياسي ودولي يضمن حرية الملاحة، ويمنع تحول الممرات الاستراتيجية إلى أدوات للصراع، مع تسريع الاستثمار في بدائل الطاقة والممرات التجارية، بما يقلل من قدرة الأزمات الجيوسياسية على إرباك الاقتصاد العالمي.