شهد الكونغرس الأميركي تطورًا سياسيًا لافتًا في ملف الحرب مع إيران، بعدما أقر مجلس النواب قرارًا يطالب الرئيس دونالد ترامب بوقف أي عمل عسكري ضد طهران ما لم يحصل على تفويض مسبق من الكونغرس، في حين عرقل مجلس الشيوخ، بعد ساعات، مشروعًا مماثلًا، في مؤشر واضح على استمرار الانقسام داخل المؤسسة التشريعية بشأن إدارة العمليات العسكرية.
وصوّت مجلس النواب، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، لصالح القرار بأغلبية 214 صوتًا مقابل 208، بعدما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم مشروع القرار الذي تقدمت به النائبة الديمقراطية براميلا جايابال. وينص القرار على مطالبة الرئيس بوقف استخدام القوات المسلحة الأميركية في الأعمال القتالية ضد إيران، ما لم يمنح الكونغرس تفويضًا صريحًا بذلك، استنادًا إلى قانون صلاحيات الحرب الذي يحدد دور السلطة التشريعية في إقرار الانخراط العسكري الخارجي.
وفي المقابل، صوّت مجلس الشيوخ، بعد ساعات من تصويت النواب، على عدم المضي قدمًا في مشروع قرار مشابه، حيث جاءت النتيجة 49 صوتًا مقابل 47، الأمر الذي حال دون طرح المشروع للتصويت النهائي. وشهد التصويت تباينًا في مواقف أعضاء الحزبين، إذ دعمت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز المشروع إلى جانب الديمقراطيين، بينما صوّت السيناتور الديمقراطي جون فيترمان مع الجمهوريين ضده، فيما امتنع أربعة أعضاء عن المشاركة في التصويت.
ورغم أن القرار الذي أقره مجلس النواب لا يحمل قوة إلزامية مباشرة، فإنه يمثل رسالة سياسية تعكس تصاعد القلق داخل الكونغرس من اتساع نطاق المواجهة العسكرية مع إيران، خاصة في ظل استمرار العمليات الأميركية وتزايد الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية. كما يعكس تنامي المطالب بضرورة إخضاع القرارات العسكرية الكبرى لرقابة السلطة التشريعية، باعتبارها الجهة المخولة دستوريًا بإعلان الحرب أو منح التفويض باستخدام القوة.
ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع تصعيد ميداني متواصل في المنطقة، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب عزمه تكثيف العمليات العسكرية ضد إيران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستواصل الضغط العسكري حتى تحقق أهدافها. كما توعد، في تصريحات جديدة، بـ"رد عسكري كبير" على إيران وحلفائها الحوثيين عقب استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، وهو الهجوم الذي وسّع دائرة التوتر إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وتزامنت هذه التطورات مع تنفيذ القوات الأميركية جولة جديدة من الغارات الجوية على أهداف داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد باستهداف قواعد أميركية في عدد من دول الجوار، في تصعيد جديد جاء بعد أسبوعين من انهيار الهدنة المؤقتة التي كانت تهدف إلى احتواء الصراع.
ويرى مراقبون أن تباين مواقف مجلسي النواب والشيوخ يعكس انقسامًا أوسع داخل الساحة السياسية الأميركية بشأن كيفية إدارة الأزمة مع إيران. فبينما يواصل البيت الأبيض تبني نهج التصعيد العسكري باعتباره وسيلة لفرض الضغوط على طهران، يطالب عدد متزايد من أعضاء الكونغرس بإعادة الاعتبار للدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، محذرين من انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة قد تحمل تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة.
ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة في الولايات المتحدة، إذ أصبح ملف الحرب مع إيران أحد أبرز القضايا المطروحة للنقاش داخل الأوساط السياسية، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود صلاحيات الرئيس في اتخاذ قرارات الحرب، ومستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية.