أكد الدكتور رائد العزاوي، مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية، أن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى إيران تمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العلاقات بين البلدين، مشيرًا إلى أنها تختلف بشكل كبير عن جميع الزيارات السابقة، سواء من حيث الزخم السياسي أو مستوى الاهتمام الذي حظيت به داخل إيران، معتبرًا أنها تعكس حضور "رجل دولة" يحمل رؤية جديدة لإدارة العلاقات الإقليمية.
وأوضح “العزاوي”، خلال لقائه عبر شاشة “العربية الحدث”، أن الحكومة العراقية تتعامل مع الواقع الإقليمي انطلاقًا من وجود الولايات المتحدة الأمريكية وإيران باعتبارهما لاعبين رئيسيين في المنطقة، إلا أن بغداد تتحرك هذه المرة بقرار عراقي مستقل، يقوم على إنهاء مرحلة التبعية التي سادت منذ عام 2003، والانتقال إلى علاقة تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة مع إيران، إلى جانب بناء شراكة اقتصادية واستثمارية حقيقية مع الولايات المتحدة، بعيدًا عن حصر العلاقة في الجانب الأمني.
وأضاف أن استقلالية القرار العراقي أصبحت واضحة في سياسة الحكومة الحالية، التي تسعى إلى تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية، ليس فقط مع واشنطن وطهران، وإنما أيضًا مع الدول العربية وتركيا، لافتًا إلى أن تحركات رئيس الوزراء المرتقبة نحو تركيا، واحتمال زيارته المملكة العربية السعودية والأردن، تعكس هذا التوجه نحو تنويع الشراكات الإقليمية.
وأشار العزاوي إلى أن العراق لا يسعى إلى قطع علاقاته التاريخية مع إيران، بل يؤمن بأهمية استمرارها، لكن وفق قواعد جديدة تقوم على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشأن الداخلي العراقي. وأوضح أن الرسالة التي تحملها تحركات الحكومة العراقية تؤكد أن مرحلة التدخل الإيراني في الداخل العراقي، سواء عبر السلاح أو عبر النفوذ السياسي أو الفساد، قد انتهت.
وأكد مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية أن بعض الأطراف داخل إيران تبدي تخوفًا من هذا التحول، ليس بسبب طبيعة العلاقات بين البلدين، وإنما بسبب ارتباطها بشبكات فساد داخل العراق استفادت خلال السنوات الماضية من النفوذ الإيراني، مشددًا على أن الحكومة العراقية تضع مكافحة الفساد بالتوازي مع حصر السلاح بيد الدولة ضمن أولوياتها الأساسية.
وفي سياق متصل، أوضح العزاوي أن إيران بعد الحرب الأخيرة لم تعد تمتلك الأدوات نفسها التي كانت تعتمد عليها قبل عدة أشهر، مشيرًا إلى أن مؤسسات الدولة الإيرانية لا تزال تحافظ على النهج نفسه، لكن أدوات النفوذ أصبحت أضعف، كما أن هناك تيارًا داخليًا في إيران يسعى إلى إنهاء حالة التصعيد والحرب للحفاظ على استقرار الدولة.
وشدد على أن قرار حصر السلاح بيد الدولة هو قرار عراقي خالص، ولن تطلب بغداد من إيران المساعدة في تنفيذه، مؤكدًا أن العراقيين هم من سيتولون تنفيذ هذا الملف، تمامًا كما يتولون مواجهة منظومة الفساد، معتبرًا أن نجاح هذين الملفين سيؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة مع طهران تقوم على احترام سيادة العراق.
ولفت العزاوي إلى أن حديث رئيس الوزراء العراقي مع مجلة "ذا أتلانتيك" حمل رسائل واضحة لإيران، مفادها أن العراق يريد أن يكون جارًا قويًا يحافظ على علاقاته الاقتصادية مع طهران، لكنه يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية، سواء عبر السلاح أو الفساد أو أي أدوات أخرى، مؤكدًا أن بغداد تسعى إلى بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، مؤكدًا على أن رئيس الوزراء العراقي لا يحمل رسائل نيابة عن أي طرف، وإنما يعمل على إعادة مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران على قدم المساواة، بعد تعثر عدد من المبادرات السابقة، مؤكدًا أن العراق أصبح اليوم سيد قراره، ويتحرك وفق مصالحه الوطنية بعيدًا عن أي ضغوط خارجية.